حبيب الله الهاشمي الخوئي
305
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لمّا بعث إلى المداين ركب حماره وحده ، فاتّصل بالمداين خبر قدومه ، فاستقبله أصناف النّاس على طبقاتهم ، فلمّا رأوه قالوا : أيّها الشّيخ أين خلَّفت أميرنا قال : ومن أميركم قالوا : الأمير سلمان الفارسي صاحب رسول اللَّه ، فقال لا أعرف الأمير وأنا سلمان ولست بأمير ، فترجلوا له وقادوا إليه المراكب والجنائب ، فقال : إنّ حماري هذا خير لي وأوفق ، فلمّا دخل البلد أرادوا أن ينزلوه دار الامارة قال : ولست بأمير ، فنزل على حانوت في السّوق ، وقال ادعوا إليّ صاحب الحانوت ، فاستأجر منه وجلس هناك يقضي بين النّاس وكان معه وطاء يجلس عليه ، ومطهرة يتطهّر بها للصّلاة ، وعكازة يعتمد عليها في المشي ، فاتّفق أنّ سيلا وقع في البلد فارتفع صياح النّاس بالويل والعويل يقولون : وا أهلاه ووا ولداه ووامالاه ، فقام سلمان ووضع وطائه في عاتقه وأخذ مطهرته وعكازته بيده ، وارتفع على صعيد ، وقال : هكذا ينجو المخفّفون يوم القيامة . وروى ( 1 ) عن الشّيخ ورام طاب ثراه أنّه لمّا مرض سلمان مرضه الذي مات فيه أتاه سعد يعوده ، فقال : كيف أنت يا عبد اللَّه فبكى فقال : ما يبكيك فقال : واللَّه ما أبكي حرصا على الدّنيا ولا حبّالها ، ولكن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عهد إلينا عهدا فقال : ليكن بلاغ أحدكم من الدّنيا كزاد راكب ، فأخشى أن نكون قد جاوزنا أمره وهذه الأساور ( 2 ) حولي ، وليس حوله إلَّا مطهرة فيها ماء ، وإجانة وجفنة . قال : ودخل رجل عليه فلم يجد في بيته إلَّا سيفا ومصحفا ، فقال له : ما في بيتك إلَّا ما أرى قال : إنّ أمامنا عقبة كئودا ، وإنّا قدّمنا متاعنا إلى المنزل أوّلا فأوّلا ، وقال : وقع الحريق فأخذ سلمان سيفه ومصحفه ، وقال : هكذا ينجو المخفّفون . ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا أمرهم بالتخفيف وحثّهم على قطع العلايق علَّله بقوله : ( فانّما ينتظر بأوّلكم آخركم ) يعني إنّما ينتظر بالبعث الأكبر والقيامة الكبرى للذين
--> ( 1 ) اى الجزايري . ( 2 ) أساور جمع أسورة ولعله كنى بها عن أساس البيت .