حبيب الله الهاشمي الخوئي

276

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

روى الصّدوق في العيون عن الرضا عليه السّلام أنّه سئل يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في الشيء الواحد فقال عليه السّلام : إنّ اللَّه عزّ وجلّ حرّم حراما وأحلّ حلالا وفرض فرايض فما جاء في تحليل ما حرّم اللَّه أو تحريم ما أحلّ اللَّه أو رفع فريضة في كتاب اللَّه رسمها قائم بلا نسخ نسخ ذلك فذلك شيء لا يسع الأخذ به ، لأنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللَّه ولا ليحلَّل ما حرّم اللَّه ولا ليغيّر فرائض اللَّه وأحكامه وكان في ذلك كلَّه متّبعا مسلَّما مؤيدا عن اللَّه عزّ وجلّ وذلك قول اللَّه عزّ وجلّ : إن أتّبع إلَّا ما يوحى إلىّ فكان متّبعا مؤدّيا عن اللَّه ما امر به من تبليغ الرّسالة . ثمّ إنّه بعد ما تحصّل من كلامه بطلان كون الاختلاف جائزا ومأذونا فيه وبأمر من اللَّه سبحانه ، أكَّد ذلك بالتّصريح على دليل ذلك بقوله : ( وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه ) في سورة النّساء أفلا يتدبّرون القرآن ( ولو كان من عند غير اللَّه ) اى من كلام غيره سبحانه ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) وتقريب الاستدلال بها أنّ القرآن مدرك الدّين ومشتمل على الاحكام الشّرعية وقد أخبر اللَّه سبحانه بأنّه لا يوجد فيه اختلاف ، لكونه من عنده فلا يوجد فيه أحكام مختلفة من حيث إنّ نفى العامّ مستلزم لنفى الخاصّ فاذن لا يكون الاختلاف في الاحكام من عنده سبحانه ومأذونا فيه وهو واضح . قال الطبرسيّ في مجمع البيان وهذه الآية تضمّنت الدّلالة على أنّ التّناقض من الكلام لا يكون من فعل اللَّه ، لانّه لو كان من فعله لكان من عنده لا من عند غيره والاختلاف في الكلام يكون على ثلاثة أضرب : اختلاف تناقض ، واختلاف تفاوت واختلاف تلاوة ، واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح والخطاء والصّواب ممّا تدعو إليه الحكمة وتصرف عنه ، وهذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن كما لا يوجد اختلاف التناقض ، وأمّا اختلاف التلاوة فهو كاختلاف وجوه القرآن واختلاف مقادير الآيات والسّور واختلاف الاحكام في النّاسخ والمنسوخ فذلك موجود في القرآن وكلَّه حقّ وصواب .