حبيب الله الهاشمي الخوئي
234
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ويحتمل أن يكون المراد أنّ الانسان لما كان من بدو نشأته وعمره إلى منتهاه بمنزلة المسافر إلى اللَّه ، وكان دائما في قطع مسافة والانتقال من نشأة إلى نشأة ، والتبدّل من طور إلى طور من أطوار العالم الجسماني وأطوار نشأة الآخرة من حين الموت إلى حين البعث من حيث إن الموت ليس عبارة عن عدم الانسان ، بل من بطلان قالبه لخروج روح منه قائما بذاتها دون افتقارها بهذا البدن فله بعد هذه النشأة نشآت كثيرة في القبر والبرزخ وعند العرض والحساب والميزان إلى أن يدخل الجنّة أو النّار ، لا جرم ( 1 ) كان المنزل لذلك المسافر إحداهما فكأنّما أمامه في ذلك السفر وغايتين يؤمّهما الانسان من مبدء خلقته إلى أن ينزل إلى إحداهما ومن كان أبدا في السّفر إلى غاية معيّنة فيجب أن يكون مشغولا بمهمات تلك الغاية . ولمّا نبّه عليه السّلام على وجوب الاشتغال بهما قسّم النّاس باعتبار ذلك الاشتغال إلى أقسام ثلاثة أحدها ( ساع ) إلى رضوان اللَّه ( سريع ) في عدوه ( نجا ) برحمة ربّه ( و ) الثّاني ( طالب ) للرّضوان ( بطيء ) في سيره ( رجا ) للغفران ( و ) الثّالث ( مقصّر ) في طاعة الرّحمن سالك سبيل الشّيطان مخلَّد ( في النّار هوى ) إلى الجحيم واستحقّ العذاب الأليم وقد أشير إلى الأقسام الثلاثة في قوله سبحانه : * ( « وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » ) * فأصحاب الميمنة هم المؤمنون من أهل التّبعات يوقفون للحساب ، وأصحاب المشئمة هم المقصّرون الظالمون الذين سلك بهم الشّيطان سبله فأوردهم النّار وهم مهانون وأمّا السّابقون فهم الفائزون الحائزون لقصب السّبق يسبقون الخلق إلى الجنّة من غير حساب ، ويشمل هذا القسم الأنبياء والأولياء كشمول قوله عليه السّلام : ساع
--> ( 1 ) جواب لما منه .