حبيب الله الهاشمي الخوئي

133

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ذوو الألسنة كما قيل : ما الأمور الصّامتة النّاطقة فقيل : الدّلائل المخبرة والعبر الواضحة ، وفي الأثر سل الأرض من شقّ أنهارك وأخرج ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا ، ثمّ إنّه عليه السّلام أشار إلى ذمّ من تخلف عنه وتوبيخه بقوله : ( عزب ) اى بعد أو غاب وخفى ( رأى امرء تخلف عنّي ) لأنّ التخلف عنه دليل على بعد الرّأى الصّائب عن المختلف ، وذلك لأنّ المتخلف لمّا فكر في أن أيّ الأمور أنفع له أن يكون من متابعيه أو المتخلفين عنه ثمّ رأى أن التخلف عنه أوفق كان ذلك أسوء الآراء وأقبحها فهو في الحقيقة كمن أقدم على ذلك بغير رأى يحضره أو لأنّ الرّأى الحقّ كان غاربا عنه . ثمّ أشار عليه السّلام إلى بعض علل وجوب اتّباعه بقوله : ( ما شككت في الحقّ ( 1 ) مذ رأيته ) لأنّ من لم يشكّ في الحقّ أحقّ بالاتّباع ممّن كان في شكّ من دينه لاحتياجه إلى من يهديه قال سبحانه : * ( « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » ) * ( لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهّال ) على الحقّ ( ودول الضلال ) وهذا تمثيل وإشارة إلى أنّ خوفه عليه السّلام منهم لم يكن على نفسه بل كان شدة خوفه من غلبة أهل الجهل على الدّين وفتنة الخلق بهم وقيام دول الضّلال كما أن خوف موسى من جهلة السحرة على ما أخبر به سبحانه في كتابه الكريم كان من هذه الجهة قال في سورة طه : * ( « قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ، قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه ِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ، فَأَوْجَسَ ) *

--> ( 1 ) في البحار من كتاب الارشاد في خطبة له ( ع ) وما شككت في الحق منذ رايته هلك قوم ارجفوا عنى انه لم يوجس موسى في نفسه خيفة ارتيابا ولا شكا فيما اتاه من عند اللَّه ولم أشكك فيما اتاني من حقّ اللَّه ولا ارتبت في امامتى وخلافة ابن عمى ووصية الرسول وانما اشفق اخى موسى من غلبة الجهال دول الضلال وغلبة الباطل على الحق انتهى ، منه .