حبيب الله الهاشمي الخوئي

58

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( اعترتهم ) وغشيتهم ( الحميّة ) والعصبيّة ( وغلبت عليهم الشّقوة ) والضّلالة ( تعزّزوا ) وتكبروا ( بخلقة النار واستوهنوا ) واستضعفوا ( خلق الصلصال ) وقالوا : إنّ مادتنا وجوهرنا خير من جوهر آدم الطيني فلا نسجد له ، لأنّ السّجود إنّما هو لمكان شرف الجوهر وجوهر النّار أشرف من جوهر التراب ، وهذا معنى قوله سبحانه في سورة الأعراف : * ( « قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَه ُ مِنْ طِينٍ » ) * وفي الكافي والاحتجاج عن الصّادق عليه السّلام أنّه دخل عليه أبو حنيفة فقال له : يا با حنيفة بلغني أنك تقيس ، قال : نعم ، أقيس قال : لا تقس فانّ أوّل من قاس إبليس حين قال : * ( « خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَه ُ مِنْ طِينٍ » ) * فقاس ما بين النّار والطين ولو قاس نوريّة آدم بنورية النّار عرف فضل ما بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر . قال بعض الأفاضل : إنّ إبليس قد غلط حيث لاحظ الفضل باعتبار الجوهر والعنصر فلو لاحظه باعتبار الفاعل لعلم فضل آدم عليه نظرا إلى ما أكرمه اللَّه به من إضافة روحه إلى نفسه ونسبة خلقته إلى يديه حيث قال : * ( « فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي » ) * وقال : * ( « لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » ) * مضافا إلى ما في قياسه في نفسه أيضا من الفساد من حيث إنّ الطين أمين يحفظ كلّ ما أودع عنده والنّار خائن يفني كلّ ما يلقى فيه . والنّار متكبّر طالب للعلوّ ، والتّراب متواضع طالب السّفل ، والتّواضع أفضل من التكبر هذا ( 1 )

--> ( 1 ) وقال الصدر الشيرازي في مفاتيح الغيب اما خطاؤه يعنى إبليس في الاستدلال فلوجوه أحدها انا سلمنا ان النار أفضل وأشرف من الطين من حيث ظاهر الوجود لكن لا فضيلة لها عليه من حيث الحقيقة والغاية بل الطين أفضل وأشرف منها لان من خواص الطين الانبات والنشو والنمو ولهذا السركان تعلق به الروح ليصير قابلا للترقى والنار من خاصيتها الاحراق والاهلاك وثانيها ان في الطين لزوجة وامساكا فإذا استفاد الروح منه بالتربية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي إذا لم يكن ممسكا في عالم الأرواح ولهذا السركان آدم مسجودا للملائكة وفى النار خاصية الاتلاف والاسراف وهو ضد الامساك ، وثالثها ان الطين مركب من الماء والتراب والماء مطية الحياة لقوله ومن الماء كل شيء حي والتراب مطية النفس النباتية وإذ امتزجا يتولد منهما النفس الحيوانية لان مركبها الروح الحيواني وهى مطية الروح الانساني والجوهر النطقي للمناسبة الروحية بينهما وفى النار ضد ذلك من الاهلاك والافساد هذا مع أن شرف مسجودية آدم للملائكة وفضيلته على ساجديه لم يمكن بمجرد خواص الطينة التي هي جهة الصلاحية والقبول وان تشرفت الطينة بشرف التخمير من غير واسطة كما دل عليه قوله ما منعك ان لا تسجد لما خلقت بيدي وقوله صلى اللَّه عليه وآله خمر طينة آدم بيديه أربعين صباحا وانما كانت فضيلته الأصلية على غيره بنفخ الروح المشرف بالإضافة إلى الحضرة الإلهية من غير واسطة كما قال ونفخت فيه من روحي ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما في قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ان اللَّه خلق آدم فتجلى فيه وقد مر انه غلط الملعون بين جهة المادة العنصرية وبين جهة الصورة الروحية الإضافية وعمى قلبه عن درك صفة الانسانية والصورة الذاتية ولهذا السر لم يكن امر اللَّه الملائكة بسجود آدم بعد تسويته قالب آدم من الطين بل امرهم بعد نفخ صورة الروح فيه كما قال تعالى انى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وذلك لان آدم بعد ان نفخ فيه الروح الإضافي صار مستعدا للتجلى الإلهي لما حصل فيه من صفات الروح ونورانيته التي تستحق بها للتجلى وامساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي مسكة عند التجلي فاستحق سجود الملائكة لأنه صار قلبه ككعبة حقيقية تفهم انشاء اللَّه وتغتنمه وتنتفع به انتهى كلامه ره .