حبيب الله الهاشمي الخوئي

20

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولعلّ الاختلاف فيها محمول على اختلاف الكيفيات ، أو بحسب اختلاف المقامات ، والمستفاد من الرّواية الأخيرة كظاهر الأولى كون اللوح ورقا ، كما أنّ مفاد الثّانية كونه ملكا ، وكلاهما ممّا ورد في الأخبار كالقلم ، وقد ظهر من هذه الأخبار كيفيّة تلقّي الوحي . وفي رواية أخرى بنحو آخر ، وهو ما روي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال لجبرئيل : من أين تأخذ الوحي قال : آخذه من إسرافيل ، قال : من أين يأخذه إسرافيل قال : يأخذه من ملك فوقه من الرّوحانيّين ، قال : ممّن يأخذه ذلك الملك قال : يقذف في قلبه قذفا هذا . وقال الشّارح البحراني : يشبه أن يكون هذا القسم ( 1 ) داخلا في الأقسام السّابقة من الملائكة ، وإنّما ذكره ثانيا باعتبار وصف الأمانة على الوحي والرسالة ثم أورد على نفسه بقوله فان قلت : كيف يصحّ أن يكون هذا القسم داخلا في السّجود ، لأنّ من كان أبدا ساجدا كيف يتصوّر أن يكون مع ذلك متردّدا في الرّسالة والنّزول والصّعود ، مختلفا بالأوامر والنّواهي إلى الرّسل ، وأجاب بقوله قلت : انّا بيّنا أنّه ليس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكيفيّة التي نحن عليها ، وإنّما هو عبارة عن كمال عبوديتهم للَّه وخضوعهم تحت قدر قدرته ، والامكان والحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، ومعلوم أنّه ليس بين السّجود بهذا المعنى وبين تردّدهم بأوامر اللَّه واختلافهم بقضائه على وفق مشيّته وأمره منافاة ، بل كلّ ذلك من كمال عبوديتهم وخضوعهم لعزّته واعترافهم بكمال عظمته انتهى . أقول : وفيه بعد الغضّ عمّا أوردنا عليه سابقا في إدخال هذا القسم في القسم السّابق ، مضافا إلى ما ذكرناه أيضا من منع كون السّجود بمعنى الخضوع المطلق حسبما مرّ تفصيلا بما لا مزيد عليه ، أنّه جعل السّاجدين عبارة عن المقرّبين الذين

--> ( 1 ) اى امناء الوحي منه