حبيب الله الهاشمي الخوئي
17
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يستحيل ، ثمّ قال ، والصّحيح أنّ الملك لا يجوز عليه النّوم كما لا يجوز عليه الأكل والشّرب ، لأنّ النّوم من توابع المزاج والملك لا مزاج له ، وأمّا مدح الباري بأنّه لا تأخذه سنة ولا نوم فخارج عن هذا الباب ، لأنّه يستحيل عليه النّوم استحالة ذاتية لا يجوز تبدّلها ، والملك يجوز أن يخرج عن كونه ملكا بأن يخلق في أجزاء جسميّة رطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة يحصل من اجتماعها مزاج ويتبع ذلك المزاج النّوم ، فاستحالة النّوم عليه إنّما هي ما دام ملكا ، فهو كقولك : الماء بارد ، أي ما دام ماء لأنّه يمكن أن يستحيل هواء ثم نارا فلا يكون باردا لأنّه ليس حينئذ ماء ، والباري جلَّت عظمته يستحيل على ذاته أن يتغير ، فاستحال عليه النّوم استحالة مطلقة مع أنّه حيّ ، ومن هذا نشأ التمدّح انتهى . وظاهره كما ترى إنكار صحة النّوم عليه مطلقا واستحالته في حقّه ، لأنّ تجويزه له مع الخروج عن حقيقته الملكية ممّا لا يقابل بالانكار وخارج عن محلّ الكلام ، وأمّا المستفاد من الكلام المحكي عن الرّاوندي فهو أنّه يعرضهم حالة السنة وهو أوّل النّعاس ولا يعرضهم النوم الموجب للغفلة . ويمكن الاستشهاد عليه بما رواه الصدوق باسناده عن داود العطار ، قال : قال لي بعض أصحابي : أخبرني عن الملائكة أينامون فقلت : لا أدري ، فقال : يقول اللَّه عزّ وجلّ : * ( « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » ) * . ثم قال : ألا اطرقك عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام فيه بشيء قلت : بلى ، فقال : سئل عن ذلك فقال : ما من حيّ إلَّا وهو ينام ما خلا اللَّه وحده عزّ وجلّ : فقلت : يقول اللَّه عزّ وجل يسبّحون اللَّيل والنّهار لا يفترون ، فقال : أنفاسهم تسبيح هذا . وبه ظهر الجواب عمّا أورده الشّارح المعتزلي بأنّهم لو ناموا قليلا لكانوا زمان النّوم غافلين ، كما ظهر به وجه الجمع بين قوله عليه السّلام : لا يغشيهم نوم العيون ، وبين الرّواية المرويّة في العلل لمحمد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، قال : سئل