حبيب الله الهاشمي الخوئي

14

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وآحادهم وحينئذ نقول : إنّ سجدتهم لآدم إمّا أن يكون بالعنوان المتعارف الذي هو وضع الجبهة كما هو الظاهر ، ففيه دلالة على هدم جميع ما قاله الشّارح ، وإمّا أن يكون عبارة عن مجرّد إظهار التّواضع فهو خلاف الظاهر أولا من حيث إنّهم أظهروا التّواضع لآدم ، واعترفوا بفضيلته حين أنبأهم بالأسماء وثانيا من حيث إن حكاية حال قوم لقوم بألفاظ مخصوصة يوجب إرادة المعاني المتعارفة عند المحكيّ لهم من هذه الألفاظ ، ولا ريب أنّ المتبادر من السّجدة هو المعنى الشرعي ، هذا كلَّه مضافا إلى إفادة بعض الأخبار ( 1 ) كون سجودهم بالعنوان المتعارف ، وبعد التّنزل نقول : إنّ أكثر المفسرين احتملوا إرادة كلّ من المعنيين ، فلو لم يتصوّر في حقهم وضع الجبهة لما احتملوا ذلك بل جعلوا الآية نصّا في المعنى الآخر . وأما ثالثا فانّ احتماله كون المراد بالسّجود الملائكة المقرّبون نظرا إلى كون درجتهم أكمل الدّرجات كما أنّ خضوع السّجودي أفضل الخضوعات ممنوع ، لما قد مرّ في الرّواية السّابقة من أنّ أهل السّماء الدّنيا هم السّاجدون ، وأنّه ليس في السّماء موضع أربع أصابع إلَّا وفيها ملك ساجد ، مع أنّ المقرّبين عنده أرفع درجة من حملة العرش الذين هم أعلى درجة من أهل السّماء الدّنيا بمراتب ، ومن أهل ساير السّماوات أيضا . وأما رابعا فانّ المستفاد من الايراد الذي أورده على نفسه من كون المقرّبين منزّهين عن تدبير الأجسام اه ، وتقريره في الجواب ذلك حيث لم يتعرّض لردّه مضافا إلى تصريحه سابقا بما ذكره في الايراد حسب ما حكيناه عنه : انّ المقربين عنده منزّهون عن الجهة والجسميّة وتدبير الأجسام والتعلَّق بها كما هو رأى الفلاسفة الذي بيّناه سابقا ، وعلى ذلك فنقول إنّ جبرئيل هل هو ملك مقرّب أم لا فان قال : لا ، ولا أظنّه قائلا به ، فقد ردّ قوله سبحانه في وصفه :

--> ( 1 ) هو رواية الصادق عليه السّلام منه