حبيب الله الهاشمي الخوئي
49
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأمّا الحروف فلما لم تكن معانيها مستقلَّة بالمفهوميّة لم يدخلها الحقيقة والمجاز بالذّات ، لأنّهما من أوصاف المعاني المستقلة وعوارضها ، وإنّما تدخلان فيها باعتبار متعلقاتها ، والمراد بمتعلقاتها ما للحروف تعلق بها باعتبار معانيها . قال صاحب المفتاح : المراد بمتعلقات معاني الحروف ما يعبّر بها عنها عند تفسير معانيها ، مثل قولنا : من ، معناها ابتداء الغاية وفي ، معناها الظرفية وكى ، معناها الغرض ، فهذه ليست معاني الحروف ، وإلَّا لما كانت حروفا بل أسماء ، لأنّ الاسميّة والحرفيّة ، إنّما هي باعتبار المعنى ، وإنّما هي متعلقات لمعانيها أي إذا أفادت هذه الحروف معاني رجع تلك المعاني إلى هذه بنوع استلزام ، فالمقصود أنّ الحروف تتّصف بالحقيقيّة والمجازية باعتبار متعلقات معانيها تبعا إياها ، فقولنا : زيد في الدّار حقيقة ، وقولنا : زيد في نعمة مجاز ، وكذلك ضربته للتّأديب حقيقة ، وقوله تعالى : * ( فَالْتَقَطَه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وحَزَناً ) * مجاز ، حيث شبّه ترتب كونه عدوّا وحزنا على الالتقاط بترتب العلة الغائية للالتقاط عليه ، ثم استعمل في المشبّه اللام الموضوعة للدّلالة على ترتب العلة الغائية الذي هو المشبّه به ، فجرت الاستعارة أولا في العلية والغرضيّة ، وبتبعيّتها في اللام كما مرّ في نطقت الحال ، فاللام استعارة لما يشبه العلية . خاتمة لمباحث الحقيقة والمجاز اعلم انّك بعد ما أحطت خبرا بما قدّمناه في تعريف الحقيقة والمجاز تعريف جواز الواسطة بينهما نظرا إلى أنّهما لما كانا أمرين وجوديين غير مجتمعين في محل واحد من جهة واحدة ولم يكونا متضايفين ، يكون التّقابل بينهما تقابل التّضاد ، ومقتضاه جواز خلوّ المحلّ عن الضدّين كما لا يخفى ، فعلى هذا يجوز عدم اتّصاف اللفظ بشيء ، من الحقيقة والمجاز بلا إشكال ، وقد اشتهر التّمثيل لذلك في كلام