حبيب الله الهاشمي الخوئي
29
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المسألة الثالثة المجاز إن كان الموصوف به اللفظ المفرد يسمّى بالمجاز اللغوي ، وحده ما قدّمناه ، وإن كان الموصوف به الجملة يسمّى بالمجاز العقلي واتّصاف الجملة به انّما هو باعتبار الاسناد والحكم الذي فيها ، ولذلك يسمّى أيضا مجازا حكميّا ، واسنادا مجازيّا ، فعند التحقيق اتّصاف الاسناد والحكم بالحقيقة والمجاز بالذّات من دون واسطة ، واتّصاف الجملة بهما بالواسطة ، أي لاشتمالها على الحكم ، وبذلك الاعتبار اختلف الأنظار في تعريفه ، أي تعريف المجاز العقلي ، كاختلافهم في تعريف الحقيقة العقليّة حسبما عرفت سابقا . فعرّفه الشّيخ عبد القاهر بأنّه كلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التّأويل ، مثاله قوله تعالى : * ( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) * وقوله تعالى : * ( أَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقالَها ) * . وقال في التّلخيص : هو اسناده أي الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأوّل ، أي بنصب قرينة صارفة للاسناد عن أن يكون إلى ما هو له لفظيّة كانت أو معنوية ، كاستحالة قيام المسند بالمذكور عقلا ، إذ من البيّن أن الأرض لا يتّصف باخراج الأثقال ، لأنّ الاخراج فعل القادر المختار ، فالمسند اليه في الحقيقة هو اللَّه سبحانه ، وانّما اسند إلى الأرض لكونه محلا له ، والحاكم بذلك هو العقل . قال عبد القاهر : فإذا قلنا مثلا : خطَّ أحسن ممّا وشاه الرّبيع وصنعه ، كنّا قد ادّعينا في ظاهر اللفظ ، أنّ للرّبيع فعلا ، وأنّه شارك الحىّ القادر في صحة الفعل منه ، وذلك تجوّز من حيث المعقول ، لا من حيث اللغة وقال إنّ التّأليف اسناد فعل إلى اسم ، أو اسم إلى اسم ، وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم لا بواضع اللغة ، والذي يعود إلى واضعها أن ضرب لاثبات الضرب لغير معين ، لا لاثبات الخروج مثلا ، وأنّه لاثباته في زمان ماض ، لا لاثباته في زمان مستقبل ، فامّا تعيين من يثبت له ، فذاك أمر يتعلق بمن أزاد ذلك من المخبرين بالأمور المعبّرين عن ودايع