حبيب الله الهاشمي الخوئي

22

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بالدّنيا ، وغفلتهم عن الآخرة ، كأنّهم كانوا منكرين . فنزّلهم منزلة المنكر بظهور امارة الانكار منهم ، وأتى بالكلام مؤكدا إلى آخر الخطبة ، ونحو ذلك كثير في الخطب المسوقة للتّنفير عن الدّنيا ، والتّرغيب إلى الآخرة ، وستعرف في شرح قوله عليه السلام : « فإنّه واللَّه الجدّ لا اللَّعب والحقّ لا الكذب وما هو إلَّا الموت » في الخطبة ( قلب ) انّ فيه عشرة أنواع من التّوكيد ، وهو من خصايص كلامه عليه السلام ، ويجعل المنكر كغير المنكر إذا كان له من الدّلائل والشّواهد ما إن تأمّله ارتدع عن انكاره مثل قوله تعالى : * ( « لا رَيْبَ فِيه » ) * . فانّ نفى الرّيب في القرآن ليس بمعنى أنّه لا يرتاب فيه أحد ، بل بمعنى أنّه لا ينبغي أن يرتاب فيه ، لأنّه من وضوح الدّلالة وسطوع البرهان ، ليس محلَّا لوقوع الارتياب ، فكأنّه قيل هو ممّا لا ينبغي أن يرتاب في أنّه من عند اللَّه ، وهذا حكم صحيح لكن ينكره كثير من الأشقياء ، فينبغي أن يؤكد ، لكن ترك تأكيده ، لأنّهم جعلوا كغير المنكر ، لما معهم من الدلائل المزيلة لهذا الانكار لو تأمّلوها ، وهو أنّه كلام معجز أتى به من دلّ على نبوّته بالمعجزات الباهرة ، ومثله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في الخطبة ( ب ) : « ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة » فانّ ترك التأكيد مع كثرة وجود المنكرين لاختصاص الولاية والوضاية والوراثة بآل محمّد عليهم السلام تنزيلا لهم منزلة غير المنكر على نحو ما ذكرناه في الآية .