حبيب الله الهاشمي الخوئي

5

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ومع ذلك قد احتوى من حقايق البلاغة ودقايق الفصاحة ما لا يبلغ قعره الفكر ، وجمع من فنون المعان وشئون البيان ما لا ينال غوره النظر ، وتضمّن من أسرار العربيّة والنكات الأدبيّة والمحاسن البديعيّة ما يعجز عن تقريره لسان البشر ، ولنعم ما قيل : نهج البلاغة نهج العلم والعمل فاسلكه يا صاح تبلغ غاية الأمل كم فيه من حكم بالحقّ محكمة تحيي القلوب ومن حكم ومن مثل ألفاظه درر أغنت بحليتها أهل الفضائل عن حلي وعن حلل ومن معانيه أنوار الهدى سطعت فانجاب عنها ظلام الزّيغ والزّلل وكيف لا وهو نهج طاب منهجه أهدى إليه أمير المؤمنين علي وهذا الكتاب المستطاب قد اشتهر بين علماء الأمصار وفضلاء الأعصار ، اشتهار الشمس في رابعة النهار ، وشرحه من قبل جماعة من اولي الألباب ، من دون أن يميّزوا بين القشر واللَّباب ، فهم فيه كحاطب ليل ، أو جالب رجل وخيل . منهم الشيخ سعيد الدين هبة اللَّه القطب الراوندي قدّس سرّه ، وما ظفرت بعد على شرحه ، وإنّما يحكي عنه الشارح المعتزلي في تضاعيف شرحه أحيانا ، ولعله لم يتعاط منه إلا القليل ، من غير تحقيق وتفصيل . ومنهم الفاضل البارع الأديب عزّ الدّين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي البغدادي ، وقد شرحه في نيف وأربعين وستمائة ، وهو أبسط الشروح إلا أنّه عند الناقد البصير ، والمتتبّع الخبير ، جسد بلا روح ، لأنّه قد أتى فيه بما قويت فيه منّته ، وترك ما لا معرفة له به ممّا قصرت عنه همّته ، حيث اكتفى بتفسير غرائب الألفاظ وما زعمه مشكلا من النحو والتصريف والاشتقاق ونحوها ممّا يدور على القشر دون اللباب ، وأطنب بذكر القصص والحكايات ، وإيراد الأمثال والأنساب والمناسبات ، ونحوها ممّا ليس له كثير فائدة في شرح الكتاب ، ولا له ثمرة تعتدّ بها