العظيم آبادي

28

عون المعبود

لجوابه ( اقرأ بها يا فارسي في نفسك ) معناه اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك ، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه ، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئا مرتكبا لقراءة الجنب المحرمة . قاله النووي . ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) قال الخطابي : المراد بالصلاة القراءة ، يدل على ذلك قوله عليه السلام عند التفسير له والتفصيل للمراد منه إذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبد إلى آخر السورة . وقد سمي القرآن صلاة لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها . قال الله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) أي قراءتك . وقال تعالى : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) أي صلاة الفجر ، فسمى الصلاة مرة قرآنا والقرآن صلاة لانتظام أحدهما بالآخر ، يدل على صحة ما قلناه قوله عليه السلام بيني : وبين عبدي نصفين ، والصلاة خالصة لله عز وجل لا يشرك فيها أحد ، فعقل أن المراد به القراءة ، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى اللفظ ، وذلك أن سورة الحمد نصفها ثناء ونصفها مسألة دعاء ، والثناء لله والدعاء لعبده ، وليس هذا انقسام ألفاظ وحروف ، وقسم الثناء من جهة المعنى إلى قوله تعالى : ( إياك نعبد ) وهو تمام النصف الأول ، وباقي الآية وهو قوله تعالى من قسم الدعاء والمسألة ، ولذا قال عليه السلام حاكيا عن ربه وهذه الآية بيني وبين عبدي ، ولو كان المراد به قسمة الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بينة فيرتفع معنى التعديل والتنصيف ، وإنما هو قسمة المعاني كما ذكرته لك ، وهذا كما يقال نصف السنة إقامة ونصفها سفر ، يراد به انقسام السنة مدة السفر ومدة الإقامة ، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء ، لا يزيد أحدهما على الآخر . وقيل لشريح : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت ونصف الناس علي غضبان ، يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه ، فالمحكوم عليه غضبان علي باستخراجي النبي الحق منه ، واكراهي إياه ، ولقول الشاعر : إذا مت كان الناس نصفين شامت لموتي وإن ومثن بالذي كنت أفعل ( فنصفها لي ) وهو ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ) ( ونصفها لعبدي ) وهو من ( إهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخره ، ( ولعبدي ما سأل ) أي بعينه