تقرير بحث السيد محمد الروحاني لعبد الصاحب الحكيم

357

منتقى الأصول

ففيه انه . . . ان أريد بالحجية الحجية الفعلية فقد عرفت انها في طول التعارض والعلاج إذ مع المعارضة لا معنى لفرض الحجية الفعلية لكلا الظهورين لأنها مركز المعارضة وما عليه التدافع . وان أريد بها الحجية الشأنية الاقتضائية فهي لا تتضيق بالتخصيص إذ الظهور يبقى على ما كان من قابليته للحجية لولا المعارض الأقوى . ولو تنزلنا عن ذلك فما قرره ( قدس سره ) لا يفيد في اثبات المدعى من ترتب آثار انقلاب النسبة وتقدم العام المخصص على غيره من العمومات المعارضة له . لان تقدم الخاص على العام انما هو باعتبار أقوائية دلالته وظهوره في الخاص من العام - كما أشرنا إليه سابقا - ولا يخفى انه بورود الدليل الخاص لا تتضيق دائرة دلالة العام بحيث تقتصر على الباقي الذي هو موضع التنافي بل هو على ظهوره العمومي كما هو الفرض وانما المتضيق هو دائرة الحجية فالباقي مدلول للعام في ضمن دلالته على العموم فلا يكون العام المخصص أقوى ظهورا في الباقي من العام الآخر إذ كل منهما يدل عليه ضمنا بلحاظ دلالته على العموم وان كان أحدهما أضيق دائرة في مقام الحجية من الآخر الا انه لا يجدي في التقدم فتدبر جيدا . هذا كله فيما يتعلق بكلام هؤلاء الاعلام وتحقيق الحال ان يقال ( 1 ) ان من

--> ( 1 ) لا يخفى انه ينبغي ان يبحث عن أن أحد العامين من وجه إذا خصص بمخصص هل يتحقق فيه ملاك تقديم الخاص على العام أو لا ؟ وهكذا لو خصص العام بأحد الخاصين هل يفقد الخاص الآخر ملاك التقديم على العام أو لا ؟ ولا أهمية لبيان انقلاب النسبة وعدمه فان هذا العنوان لم يؤخذ في موضوع دليل بل المدار على ما عرفت فإنه هو محط الأثر العملي في تقديم دليل على آخر وعدم تقديمه ولو بقيت النسبة على حالها بين الدليلين . وتمهيدا لذلك لا بد من الإشارة إلى الآراء في تقديم الخاص على العام وهي وجوه : منها ما قربناه من أن دلالة العام على العموم تتبع جريان مقدمات الحكمة في المدخول فيكون الخاص منافيا لاطلاق المدخول فيتأتى فيه الوجه في تقديم المقيد على المطلق وهو كشفه عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من جهة المقيد فلا اطلاق له . ومنها ما ذهب إليه المحقق النائيني - في بعض كلماته - من أنه لأجل قرينية الخاص على العام ، والقرينية مقدمة عرفا على ذي القرينة بلا كلام وعلى هذا بنى تقديم الخاص على العام ولو كان ظهور الخاص أضعف من ظهور العام . ومنها ما يظهر من صاحب الكفاية وغيره من أنه لأجل كون الخاص أظهر من العام والأظهر يقدم على الظاهر عرفا . إذا عرفت ذلك فلنبدأ في الكلام بالصورة الثانية وهي ما إذا ورد عامين بينهما العموم من وجه ثم ورد خاص لأحدهما يخصه في مورد الافتراق كما لو ورد : " أكرم العلماء " وورد " لا تكرم النجفيين " وورد " لا تكرم العلم غير النجفي " . وليعلم ان البحث يقع في : ان الخاص بمجرد ثبوته ووجوده هل يؤثر في قلب النسبة بين : " لا تكرم النجفيين " و : " أكرم العلماء " بالمعنى الذي عرفته لانقلاب النسبة أو لا يؤثر ؟ وليس البحث في أنه بعد اعمال الخاص وتقديمه هل تنقلب النسبة أو لا ؟ كي يرد عليه ، بأنه ما الوجه في ملاحظة الخاص أولا قبل العام الآخر . يبقى في المقام شئ لا بد من التنبيه عليه فيما نحن فيه وان تعرض له الاعلام في مجال آخر وهو انه على القول بانقلاب النسبة ولزوم الترتيب في العلاج في بعض الموارد قد نعين لزوم الترتيب في العلاج بين الخاصين الصادرين عن امامين ، فيخصص العام بالأول فمع ورود الثاني تكون نسبته مع العام نسبة العموم من وجه لا نسبة العموم المطلق . وأورد عليه في مصباح الأصول بأنه قد مر مرارا بان الكلام الصادر عن المعصومين بمنزلة كأنه كلام واحد لأنهم في مقام بيان الاحكام لا تأسيسها فلا وجه حينئذ لملاحظة الخاص الأسبق زمانا ثم يلاحظ المتأخر بل يخصص العام بهما دفعة واحدة كما تقدم . والتحقيق ان يقال : ان القائل بانقلاب النسبة اما لأجل ان المخصص المنفصل يهدم ظهور العام في العموم كالمخصص المتصل ، باعتبار ان ظهور العام في العموم بالاطلاق ، واعتبار جواز المقدمات في المراد الجدي كما تقدم ، أو لأجل انه يضيق دائرة حجيته وموضوع المعارضة هو الدليل بلحاظ حجيتهما - مع بقاء ظهور العام في العموم اما لان ظهوره بالوضع أو بالاطلاق ولكن المقدمات تجرى في المراد الاستعمالي . وعلى كلا التقريبين يتعين الترتيب في الملاحظة مع السبق الزماني ولو من امام واحد . اما على الأول فواضح لأنه بعد ورود الخاص الأول ينهدم ظهور العام في الباقي فتكون نسبة الثاني حين وروده نسبة العموم من وجه كما لا يخفى . واما على الثاني فظهور العام وان كان بعد ورود الخاص الأول على حاله الا ان حجيته التي هي مناط المعارضة لا ظهوره - تتضيق قطعا ، فيكون العام حجة في غير مورد الخاص الأول ويبقى هكذا حتى ورود الخاص الثاني ومعارضة الخاص الآخر انما هي بمقدار حجيته لا بمقدار ظهوره كما هو الفرض . وهما بهذا اللحاظ عامان من وجه وان كان بينهما بلحاظ الظهور عموم وخصوص مطلق ومن هنا يظهر ما في كلام مصباح الأصول من الابتعاد عن موضع الكلام ونكتته ، فان كون كلام الكل بمنزلة كلام واحد لا ينافي ما ذكرنا إذ تعدد الصادر منه الكلام ووحدته لا ترتبط بنكتة المطلب التي بيناها المتقومة بالسبق الزماني وان صدر الكلامان عن امام واحد . نعم هذا أعني ما ذكرناه انما يجدي بالنسبة إلى من أدرك الامامين وسمع من الأول الخاص الأول ومن الاخر الثاني اما بالنسبة إلى من تأخر عن زمان الأئمة ( عليهم السلام ) وعثر على العام والمخصصين المترتبين زمان فلا يجدي ما ذكر لان ما ذكرناه متقوم بكون العام حجة لديه في غير مورد الخاص الأول ثم يرد الخاص الآخر والحجية انما تكون بالوصول ومع وصول المجموع دفعة واحدة لم يكن العام قبل ورود أحد الخاصين حجة بالنسبة إليه كي تنقلب نسبته مع وروده بل هو في هذه الحال حجة في غير مورد الخاصين فلاحظ .