تقرير بحث السيد محمد الروحاني لعبد الصاحب الحكيم
323
منتقى الأصول
حجية كل منهما مقيدة بالبناء على الالتزام بمؤداه ، فمع عدم البناء على الالتزام بمقتضاه لا يكون مشمولا للحجية . وهذا معنى معقول ثبوتا فيمكن ان يحمل عليه ما ورد من أدلة التخيير بين الدليلين في بعض الموارد ، بلا حاجة إلى تكلف تأويل له بالحمل على التخيير في المسالة الفرعية ، كما هو الحال لو لم يثبت تعقل التخيير في المسالة الأصولية . الا ان هذا النحو لا يجدي فيما نحن فيه ، إذ لا يرفع التنافي بين الدليلين عرفا - كما في التخيير في المسألة الفرعية - ، إذ لا يستلزم التصرف بمؤدى كل منهما بنحو يرتفع التنافي ، بل كل باق على مؤداه ، فلا وجه للالتزام به في المورد الذي نحن فيه . ومع عدم تعقل تلك الانحاء ثبوتا ، وعدم امكان الالتزام بهذا النحو اثباتا ، فلا محيص عن الالتزام بأحد الاحتمالات الأخرى ، من التساقط أو التوقف أو غيرهما . وقد عرفت أن الشيخ التزم بالتوقف وتساقط الدليلين في الدلالة المطابقية لهما وبقائهما على الحجية في نفى الثالث - وهو معنى التوقف - وبنتيجة ذلك التزم صاحب الكفاية ( قدس سره ) الا انه بغير الطريق الذي سلكه الشيخ ، بل ذهب إلى أن الدليلين لا يتساقطان ، بل يسقط أحدهما عن الحجية ويبقى الاخر تحت دليل الحجية ، غاية الأمر انه لا تترتب اثار العلم الاجمالي على ذلك - كما في مسالة اشتباه الحجة باللا حجة - بل هما بالنسبة إلى الدلالة المطابقية كالمتساقطين ، نعم ، يظهر الأثر في شئ اخر أجنبي عن محل الكلام وهو نفى الثالث . وبيان ذلك ( 1 ) : ان دليل الحجية لا يشمل ما يعلم كذبه من الأدلة كما لا يخفى .
--> ( 1 ) قد يبدو الالتزام بسقوط أحدهما وبقاء أحدهما - بهذا المقدار من العنوان - مشكلا ، لكن القوم يلتزمون بنظيره في بعض الموارد : فمن ذلك : مورد تعلق الامر بفردين من طبيعة واحدة بلا أن يكون لأحدهما خصوصية يمتاز بها على الاخر ، كموارد قضاء الصوم إذا كان الفائت يومين - مثلا - وموارد الدين الثابت في الذمة كدينارين . فإنه يلتزم فيما إذا أتى المكلف بأحد الفردين بلا تعيين سقوط أحد الامرين وبقاء الاخر بلا تعيين الساقط والباقي منهما ، فلو أعطاه دينارا بعنوان الوفاء التزم ببقاء دينار في الذمة بل تعيين كونه أي الدينارين . ومن ذلك : مورد الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الاجمالي لا بعينه ، بناء على الالتزام بالتوسط في التنجيز - كما عليه الشيخ " ره " - فإنه يلتزم بوجوب الاجتناب عن أحدهما بلا تعيينه ، لكون الاضطرار إلى أحدهما بلا تعيين . ثم إن الالتزام ببقاء أحدهما على الحجية ينحو لا يترتب عليه اثر احدى الخصوصيتين ، لا بد وان يوجه بكون موضوع الحجية هو العنوان الانتزاعي الجامع بين الخبرين - وهو عنوان أحدهما - وليس المراد به أحدهما المعين في الواقع ، لأنه مضافا إلى كونه ترجيحا بلا مرجح ، يترتب عليه اثار العلم الاجمالي ، وهو مما لا يقصده صاحب الكفاية ، كما أنه ليس المراد به أحدهما المردد كي يرد عليه انه لا خارجية له . بل المراد به ما عرفت من أحدهما الجامع بين الخبرين ، ولا جل ذلك لا يثبت به سوى الجامع بين المدلولين . وقد عرفت أن لمثل هذا نظائر ، كمثال الدين والاضطرار . وهذه الموارد تختلف ، فتارة : يترتب على بقاء أحدهما اثر الفرد الخاص ، كما في موارد الامر المتعدد كالدين . وأخرى : لا يترتب عليه أي اثر كاخبار خمسة متعارضة في الدلالة على الأحكام الخمسة وثالثة : يترتب عليه اثر الجامع ، كما لو لم يكن تعارض الخيرين في الوجوب والحرمة . هذا غاية ما يمكن توجيه كلام الكفاية به ، وبه تندفع بعض الايرادات عليه . ولكن يرد عليه : أولا : انا لم نلتزم في محله - ( يلاحظ مبحث النية من كتاب الصوم ) - بأساس هذا الالتزام ، وبينا عدم معقولية سقوط أحد الامرين وبقاء الاخر ، وانما يسقط الأمران معا ويحدث امر آخر ناش من غرض واحد . وهذا لا يتأتى في ما نحن فيه ، فانا إذا التزمنا بسقوط كلا الخبرين عن الحجية ، فأي مقتض لحدوث حكم جديد يتعلق بأحدهما ؟ وثانيا : مع عدم تعقل ما ذكر ، ان ثبوت الجامع بين المدلولين . . ان كان بأحدهما الانتزاعي ، فهو ليس فردا خارجيا غير الفردين الساقطين عن الحجية ، فمقام الاثبات قاصر عن شموله . ولعله إلى ذلك يرجع اشكال الشيخ على التخيير : بان أحدهما ليس فردا ثالثا كي يشمله دليل الحجية الثابت لافراد الخبر . وان كان بكلا الخبرين ، فهو راجع إلى حجيتهما معا ، وهو خلاف مدعاه من سقوط أحدهما عن الحجية . هذا مع أن الجامع مدلول ضمني للخبرين ، والاخذ بالمدلول التضمني مع سقوط المطابقي عن الحجية لا وجه له للتلازم بينهما في الحجية ، فتدبر جيدا .