تقرير بحث السيد محمد الروحاني لعبد الصاحب الحكيم

286

منتقى الأصول

وفى تحقيق الحال في ذلك لا بد من تحقيق امر له كل المساس فيما نحن فيه كما له المساس المهم فيما يأتي من البحث عن انقلاب النسبة ( 1 ) .

--> ( 1 ) تحقيق الكلام في هذا المقام ان يقال : ان تعدد الإرادة في الكلام ووجود الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية بالمعنى المذكور في المتن مما لا اشكال فيه ولا يقبل الانكار ، كما أنهما قد يختلفان كما في موارد الاستعمالات الكنائية - وقد يتفقان . وانما الاشكال في طريق تشخيص المراد الجدي للمتكلم وكونه على طبق ظاهر كلامه أو غيره وانه هل هو بواسطة ظاهر اللفظ كما هو المعروف - حيث إن المعروف تشخيص المراد الجدي من طريق ظاهر اللفظ فيكون الظاهر حجة وهو المعبر عنه بأصالة الظهور ومطابقة مقام الاثبات لمقام الثبوت - ، أو انه بطريق آخر ؟ . الحق هو الثاني وذلك لان المراد الجدي للمتكلم يعرف بأمرين ينضم أحدهما للاخر . . أحدهما : احراز كون المتكلم في مقام الجد في كلامه وانه يريد بيان امر واقعي به في قبال الهزل أو غيره . والآخر احراز مدلول الكلام وما قصد به تفهيمه . فإذا حصل هذان الأمران يحصل العلم بالمراد الواقعي وانه مطابق للمراد الاستعمالي وما قصد تفهيمه . فمثلا لو قال : " جاء زيد من مكة المكرمة " فلدينا أمور ثلاثة : الأمر الخارجي من مجئ زيد وعدمه والمراد التفهيمي والمراد الجدي وهو ما قصد الحكاية عنه . ولا يخفى ان الأول لا يعرف بالخبر وهو خارج عنه ولذا يتحقق الخبر مع العلم بعدم المطابقة والكذب فليس الأمر الخارجي وهو ذات ما أخبر عنه بمراد جدي وانما المراد الجدي هو ما قصد الحكاية عنه بما هو متعلق القصد أو فقل : ان الاخبار عن الشئ هو المراد الجدي . وهذا هو المطلوب معرفته بالكلام وهو يعرف - كما تقدم - باحراز مدلول الكلام واحراز قصد الحكاية به وان المتكلم في مقام الاخبار لا في مقام آخر . وهذا ليس من حجية الظهور في شئ إذ احراز مدلول الكلام ينشأ من العلم بالوضع وملاحظة القرائن واحراز انه في مقام الجد ينشأ من قرينة حالية أو مقالية . وقد يقال : ان المراد الجدي قد يتخلف عن المراد الاستعمالي سعة وضيقا كما لو كان مراده الجدي المعنى الخاص وكان اللفظ المستعمل فيه مطلقا فإذا حصل هذا الاحتمال في الكلام فلا دافع له إلا ظهور الكلام وعدم التقييد وهذا معنى حجية الظهور . ويندفع هذا القول : أولا : بأنه لا يتم فيما كان المعنى الآخر مباينا للموضوع له إذ لا يحتمل ارادته من اللفظ بلا قرينة بعد عدم دلالة اللفظ عليه إذ كيف يقصد الحكاية عن معنى بما لا يدل عليه ؟ وثانيا : بأنه لا يتم حتى في مثل المطلق والمقيد لان الجميع يلتزمون بأن احراز كونه في مقام الجد في الجملة لا يجدي في اثبات ان مراده المطلق إذا احتمل انه ليس في مقام الجد من بعض الجهات بل لا بد من احراز كونه في مقام الجد في تمام المدلول ومن جميع الجهات وإذا أحرز ذلك لم يحتج في اثبات مراده إلى الكشف عنه من طريق الظهور للعلم بأن مراده تمام المدلول وإذا لم يحرز ذلك لم يمكن تشخيص ان مراده المطلق من طريق اللفظ . وعمدة التحقيق : ان المراد بقصد الجد والحكاية ليس ما يساوق معنى الإرادة والنية بل ما يساوق معنى الداعي المترتب على الشئ . ومن الواضح انه لا يمكن أن يكون الداعي إلى الشئ ما لا يترتب عليه فلا يمكن ان يقصد الحكاية عن معنى بما لا يدل عليه لعدم ترتبها عليه ومعنى احراز الداعي إلى الحكاية يحرز ان مراده لا يتعدى مدلول اللفظ لان الفرض انه قصد الحكاية عن امر بما قصد تفهيمه فتدبر . ومن هنا يظهر ان مجرى مقدمات الحكمة في باب المطلق والمقيد انما هو المراد الاستعمالي لا المراد الجدي لوضوح تبعية المراد الجدي للمراد الاستعمالي وما قصد تفهيمه والانتقال منه إليه فلا بد في تشخيص المراد الجدي من معرفة المراد الاستعمالي سعة وضيقا وهو يحصل بالقرينة ، والقرينة على إرادة الاطلاق هي مقدمات الحكمة كما يبين في محله - وبدونها لا يمكن احراز المراد الاستعمالي ومعه لا يمكن تشخيص المراد الجدي وإذا توفرت المقدمات في المراد الاستعمالي فلا حاجة حينئذ لجريانها في المراد الجدي كما هو واضح . ثم إنه مما ذكرناه يظهر ان دلالة الكلام على المراد الجدي مع احراز انه في مقام الجد تكون دلالة قطعية لا تحتمل الخلاف لأنها تنشأ من ضم جهة وجدانية وهي كونه في مقام الحكاية - إلى جهة عقلية وهي استحالة أن يكون الداعي إلى الشئ ما لا يترتب عليه . وعلى هذا الأساس يشكل الامر في موارد تقديم النص أو الأظهر على الظاهر فان المعروف بين الأصحاب تقديم النص وهو ما لا يمكن إرادة غير معناه المفهوم منه - على الظاهر وهو ما يمكن أن يراد به غير معناه المفهوم منه ، لكنه كان ظاهرا في المعنى المعروف . وذلك فإنه - على ما ذكرناه - لا فرق بين النص الظاهر في عدم احتمال إرادة غير معناه المفهوم منه . فان الظاهر وان أمكن ان يستعمل ويراد به معنى آخر لكنه لا يصح بلا نصب قرينة إذ إرادة غير الظاهر من دون قرينة غير صحيحة فمع عدم القرينة لا يكون المفهوم من اللفظ سوى المعنى الظاهر فيه والمفروض ان المدلول الاستعمالي هو ما قصد تفهيمه للمخاطب فينحصر أن يكون هو المعنى الظاهر لاستحالة إرادة غيره بدون قرينة لعدم ترتب التفهيم على حاق اللفظ وإذا ثبت ان المراد الاستعمالي هو المعنى الظاهر كان هو المراد الجدي قطعا لما تقدم من أن قصد الحكاية انما هو بما قصد تفهيمه لا بغيره . وبالجملة : ما يمكن ان يقصد تفهيمه هو ظاهر الكلام فتكون دلالته على المستعمل فيه قطعية - كالنص - بمقتضى البيان المزبور ، كما أن دلالته على المراد الجدي قطعية لأن المفروض انه قصد الحكاية بما قصد تفهيمه فبمقتضى ذلك تكون دلالة الكلام على المرادين الاستعمالي والواقعي قطعية . وبذلك لا يبقى فرق بين النص والظاهر في المدلول الفعلي لكل منهما وان دلالة كل منهما عليه قطعية فأي وجه لتقديم النص على الظاهر ؟ . وقد يقال إن احتمال وجود القرينة المتصلة بالنسبة إلى الكلام الظاهر وغفلة الناقل لنا عنها في مقام السماع أو النقل ، موجود . وانما يدفع بأصالة عدم الغفلة التي عليها مبنى العقلاء في أمورهم . وهذا الأصل لا يعتنى به مع وجود النص على خلاف الظاهر فيسقط الظاهر عن الدلالة القطعية على مدلوله . ولكن هذا لو تم في نفسه فإنما يتم لو كان احتمال الغفلة معتدا به وإلا فلا مجال له . هذا ولكن المشكلة المزبورة انما يظهر اثرها في بعض الموارد كما لو كان المعنى الآخر الظاهر معنى مباينا للمعنى الظاهر فيه . واما الموارد الأخرى التي تجعل من مصاديق تقديم النص على الظاهر فيمكن حل المشكلة فيها وهي متعددة : الأول مورد ورود الدليل الظاهر على الوجوب أو الحرمة وورود النص على الترخيص في الترك أو الفعل فان المشهور هو حمل دليل الالزام على أصل الرجحان من استحباب أو كراهة ويمكن البناء على ذلك بالالتزام بما ذهب إليه المحقق النائيني ( قدس سره ) في صيغة الامر والنهى من عدم دلالتهما وضعا على الالزام ، وانما يدلان على مجرد الطلب والزجر . غاية الأمر ان العقل يحكم بلزوم الامتثال إذا لم يرد ترخيص من الشارع واما مع ثبوته فلا يحكم بوجوب الامتثال . وعليه فورود النص على الترخيص - فيما نحن فيه - يرفع موضوع حكم العقل بالالزام ولا يصطدم مع ظهور الامر أو النهى أصلا . الثاني : مورد المطلق والمقيد . ويمكن ان يقال في الجمع بينهما : بان أساس استفادة الاطلاق هو احراز كون المتكلم في مقام البيان وهذا يستفاد غالبا من ظهور الحال وليس من طريق قطعي . وعليه فيمكن ان يجعل ورود الدليل المقيد رافعا لهذا الظهور سواء ارجع إلى التصرف في المراد الاستعمالي بحيث يكشف عن عدم كونه في مقام تفهيم المطلق أو رجع إلى التصرف في المراد الجدي بأن يكشف عن عدم كونه في مقام الجد بتمام المدلول . فان كلا منهما كاف في رفع التنافي وان كان الأول أولى اعتبار لان الالتزام بإفادة المطلق استعمالا مع عدم ارادته منه جدا في جميع هذه المطلقات على كثرتها مستبعد جدا ، إذ ليس في ذلك داع عقلائي واضح . وقد نبه على هذه الجهة الفقيه الهمداني ( قدس سره ) في بعض كلماته الفقهية . ومن هنا ظهر الكلام في العام والخاص لو التزم برجوع العام إلى المطلق وان دلالة الأداة على العموم تتبع ما يراد من المدخول . واما لو التزم بان الدلالة على العموم وضعية فالكلام فيه نؤجله إلى مجال آخر خشية الإطالة . الثالث : ما إذا ورد دليل على تعلق الحكم بأمر ذي اجزاء وورد دليل آخر يدل على تعلقه ببعض اجزائه كما ورد في أدلة التيمم ما ظاهره لزوم مسح الوجه وورد ما ظاهره كفاية مسح الجبهة والجبينين فإنهما متعارضان بدوا ، إذ الوجه اسم لمجموع اجزائه فلا يصدق على الجبين وقد بنى الأصحاب على حمل مسح الوجه بعضه حملا للظاهر على النص وقد عرفت ما في ذلك من اشكال ويمكن ان يقال إن إضافة الفعل إلى الوجه تارة يراد بها تعلق الفعل ببعضه كما لو قال : " لمست وجهه " . وأخرى يراد بها تعلقه بتمامه كما لو قال : " غسلت وجهه " ومثله غيره من الأمور المركبة فإنها قد تصدق على الكل وقد تصدق على البعض . وإذا ثبت اختلاف موارد الاستعمال فظهور مسح الوجه في إرادة مسح تمامه لا يكون الا بواسطة السياق وهذا الظهور السياقي انما يكون لو لم يكن نص على كفاية مسح البعض ومع النص لا يستظهر العرف من السياق إرادة تمام الوجه فتدبر والله سبحانه ولى التوفيق . ثم إنه ذكر صاحب الكفاية في أواخر كلامه عن موارد الجمع العرفي : بأنه لا فرق فيما بين أن يكون السند فيها قطعيا أو ظنيا أو مختلفا ، فيقدم النص أو الأظهر وان كان بحسب السند ظنيا على الظاهر ولو كان بحسبه قطعيا . وهذا الامر ذكره لدفع ما قد يتوهم من عدم تقديم النص الظني السند على الظاهر القطعي السند من جهة حصول التعارض بين دليل اعتبار السند في الظني ودليل اعتبار الظاهر في القطعي ، والنسبة بينهما هي العموم من وجه . ولكنه توهم فاسد المنشأ ، وذلك لأنك عرفت أن ورود النص يستلزم سقوط الظاهر عن ظهوره . وعليه فبما ان دليل الحجية يتكفل التعبد بصدور كل ما كان امرا ممكنا ولا يلزم منه محذور على تقدير ثبوته واقعا ، لم يكن مانع من التعبد بصدور النص ، إذ لا محذور على تقدير ثبوته لعدم صلاحية الظاهر لمصادمته ، بل هو ناف للظاهر ومسقط له ، فتدبر .