تقرير بحث السيد محمد الروحاني لعبد الصاحب الحكيم
251
منتقى الأصول
فالكلام في جهتين : الجهة الأولى : في وجه التقديم . وقد ذكر لذلك وجوه متعددة : الأول : ما ذكره الشيخ من الاجماع على ذلك كما يظهر للمتتبع ، فان الفقهاء لا يتوقفون في تقدم الأصل السببي على المسببي . ولكن الاعتماد على الاجماع في مثل ما نحن فيه مشكل ، إذ لا يحرز كونه اجماعا تعبديا بعد وجود الوجوه العقلية وغيرها المستدل بها على التقديم ، فلا يكشف عن قول المعصوم ( عليه السلام ) . الثاني : ( 1 ) ما افاده الشيخ أيضا - وهو المهم من الوجوه التي ذكرها - من أن
--> ( 1 ) ما ذكره الشيخ ( رحمه الله ) في الوجه الثاني مرجعه [ حمل السيد الأستاذ ( دام ظله ) عبارة الشيخ على ما حمل عليه في الدرس في الدورة السابقة ، لا على ما هو مذكور في المتن . فالتفت ( المقرر ) ] إلى الورود ويمكن ان يقرب بوجهين : الأول : أن يكون المراد بالشك عدم الحجة فيكون نقض اليقين في مورد الأصل المسببي بالحجة وفيه : أولا : انه ينافي ما التزم به قريبا من حكومة الامارة على الاستصحاب لا ورودها كما هو مقتضى هذا التوجيه . وثانيا : ان المراد بالحجة الرافعة هي الحجة على الواقع المتيقن في السابق كالخبر فان مفاده الكشف عن الواقع والمفروض انه حجة في مؤداه . وليس الاستصحاب كذلك ، لأنه حكم ظاهري مجعول في ظرف الجهل لا بعنوان انكشاف الواقع ، وان تكفل التنجيز والتعذير كسائر الأحكام الظاهرية كأصالة الطهارة . الثاني : أن يكون المراد بالشك عدم العلم ولو بعنوان اخر ، ومع العلم بالحكم بعنوان ظاهري يرتفع الموضوع قهرا . وفيه : ما تقدم في مناقشة صاحب الكفاية عند البحث في تقدم الامارة على الاستصحاب فراجع . وقد يوجه كلام الشيخ ( رحمه الله ) بان الأصل السببي يحقق موضوع دليل الحكم الثابت لمجراه فيكون هو الحكم ، وهو المقدم على الأصل المسببي لا الأصل . وهذا مما لا تأباه عبارته ، ولعله ماخذ ما ذكره صاحب الكفاية من إجزاء الأمر الظاهري الجاري في تحقيق متعلق التكليف كأصالة الحل والطهارة واستصحابهما . وقد أورد على هذا الالتزام بايرادات متعددة عمدتها ان مقتضاه الحكم بطهارة المغسول بالماء المستصحب الطهارة ولو انكشف بعد ذلك أنه نجس وهو مما لا يلتزم به أصلا . وفى مراجعة مبحث الاجزاء فائدة . ثم إن هذا الوجه يختص بما إذا كان مجرى الأصل السببي حكما شرعيا قابلا للجعل بنفسه كالطهارة والحلية ونحوهما . ولا يتأتى فيما إذا كان مجراه موضوعا تكوينيا كالعدالة والحياة ، لعدم ثبوته به حقيقة حتى يمكن تطبيق الدليل . فانتبه . وبالجملة : فما افاده الشيخ ( رحمه الله ) في الوجه الثاني غير تام . واما ما ذكر في الوجه الثالث : فقد تصدى ( قدس سره ) لمناقشته بما لا يخلو عن اشكال . والتحقيق في مناقشته : ان قلة المورد لا تعد محذورا إذا لم يساعد الدليل على العموم ، فأي ضرر في أن يكون الاستصحاب قاعدة في موارد خاصة . وان كان مراد المستدل ان ذلك يتنافى مع مورد الرواية ، حيث إن موردها اجراء الاستصحاب في الموضوع وهو الطهارة . ففيه : انه يمكن أن لا يكون المنظور في النص اجراء الاستصحاب في نفس الطهارة والوضوء ، بل في عدم وجوب الوضوء كما هو مورد السؤال ، فالمستصحب هو المسبب رأسا لا السبب . ومما يؤيد عدم تقدم الأصل السببي على المسببي انه لم يتصد في النص إلى اجراء الاستصحاب في السبب وهو عدم الرافع ، وهو النوم . واما ما ذكره في الوجه الرابع ، ففيه : ان الاشتغال لا يكون مجرى للاستصحاب كما تقدم بيانه في مبحث الأقل والأكثر ، والأصل المسببي في مورد الرواية هو الأصل الجاري في نفى وجوب الوضوء وهو يوافق الأصل السببي ، وقد تقدم امكان كون المنظور في الرواية هو جريان الأصل في المسبب رأسا . وأما ما أفاده أخيرا تحت عنوان . . ، ففيه : ان الكلام ليس في ترتيب اثار الأصل السببي بل الكلام في عدم معارضته بالأصل المسببي وليس فيما ذكره إشارة إلى أن ارتكاز العرف عليه ، مع أن المبحث عقلي لا عرفي . والمتحصل : ان شيئا من هذه الوجوه الأربعة لا يفي بالمطلوب . ولا يخفى عليك ان مقتضى الوجه الثاني هو الورود ، اما الثالث والرابع فمقتضاه من هذه الجهة بحمل ، وانما هما يتكفلان التقديم لا أكثر . واما دعوى تقديم الأصل السببي على المسببي بالحكومة - كما عليه المحقق النائيني على ما نقل كلامه في المتن - فيدفعها ما عرفت في تقديم الاستصحاب على البراءة من أن المفهوم من أدلة الاستصحاب بملاحظة النهى عن النقض بمثل " لا ينبغي " إرادة النقض والابقاء العملي ، وهذا لا يرجع إلى جعل اليقين واعتباره ، بل إلى الامر بترتيب آثار بقاء اليقين . هذه مع غض النظر عما أشرنا إليه في المتن من أن التعبد باليقين بشئ لا يستلزم التعبد باليقين بآثاره . والنافع في دعوى الحكومة اثبات التعبد باليقين بالأثر لا التعبد باليقين بالموضوع . فلاحظ . والذي يمكن ان يقال في وجه تقديم الأصل السببي على المسببي : هو ان الأصل السببي ناظر إلى مفاد الأصل المسببي وملغ له ، فيكون حاكما . وذلك لان التعبد بطهارة الماء - مثلا - مرجعه إلى ترتيب اثار طهارته ومن جملتها حدوث الطهارة للمغسول به بعد نجاسته وصيرورته طاهرا . ومن الواضح ان مرجع التعبد بالحدوث هنا إلى إلغاء الحالة السابقة وعدم الاعتناء بها ، وهذا ينافي جريان الاستصحاب في المغسول به ، لان ابقاء الحالة السابقة يتنافى مع الغائها وعدم الاعتناء بها . فيكون الأصل السببي ناظرا لمفاد الأصل المسببي فيتقدم عليه بالحكومة . وبالجملة : اطلاق دليل الاستصحاب الشامل لمورد الشك السببي يمنع من شمول الاطلاق للشك المسببي . وهذا هو معنى الحكومة في ما نحن فيه ، فلا يرد الاشكال فان الحكومة تكون بين دليلين لا في دليل واحد . الا ان هذا انما ينفع في اثبات حكومة الاستصحاب السببي على خصوص الاستصحاب الجاري في الشك المسببي ، لأنه متفرع على ملاحظة الحالة السابقة ، فيكون محكوما لما يقتضى الغاءها . وأما مثل أصالة الإباحة أو الطهارة الجارية في الشك المسببي فلا ينفع البيان المزبور لاثبات محكوميتها للاستصحاب السببي لعدم النظر فيها إلى الحالة السابقة ، بل هي تتكفل مجرد الثبوت . فتصطدم مباشرة مع اثر الأصل السببي . وتحقيق الكلام في هذا المجال : ان المولى إذا الزم المكلف المتحير والمتردد بين احتمالين بأحد الطرفين بأي لسان كان الالزام . من جعل المؤدى أو جعل اليقين وصفا أو عملا أو المنجزية ، كان مرجع الالزام - عرفا - إلى إلغاء الاعتناء بالطرف الاخر من الترديد ولعل هذا ما يقصده الشيخ بإلغاء احتمال الخلاف - لا بمعنى جعل العلم واعتباره - لأنه يلتزم بجعل المؤدى ونتيجة ذلك هو نفى ما يقتضى اعتباره لان لسانه لسان نفى ترتيب الأثر لا مجرد عدم الاعتناء به . وعليه فيكون الاستصحاب حاكما على البراءة في مورده ، لتكفل دليل الاستصحاب تعيين أحد طرفي الترديد لان لسانه لسان عدم النقض والابقاء وهو ناظر إلى إلغاء احتمال الخلاف وعدم الاعتناء به فينفي أصالة الإباحة الراجعة إلى الاعتناء بالاحتمال . وهكذا الكلام في أصالة الطهارة . ولا تصح دعوى العكس ، لان كلا من أصالة البراءة وأصالة الطهارة لا يتكفل تعيين أحد المحتملين ، بل تتكفل بيان وظيفة المكلف مع فرض تردده وشكه وغض النظر عن الواقع . وليس كذلك الامارة والاستصحاب . والمتحصل : ان حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي بالبيان السابق . واما حكومة الاستصحاب السببي على البراءة وأصالة الطهارة في الشك المسببي بل مطلقا فهي بالبيان الأخير . فتدبر واعرف . ومن هذا البيان ظهر تقريب حكومة الامارة على الاستصحاب لو لم تتم دعوى الورود بالبيان السابق ، فان الامارة بمقتضى دليل اعتبارها تتكفل إلغاء احتمال الخلاف فتنصرف في موضوع الاستصحاب وتنفيه ، والاستصحاب وان كان كذلك لكن لم يؤخذ الجهل موضوعا في الامارات بل موردا . ومعه لا وجه لانكار صاحب الكفاية - في مباحث التعادل والترجيح - دعوى الحكومة بعدم النظر ، إذ عرفت منشأ نظر دليل اعتبار الامارة إلى دليل الاستصحاب ولو لم يلتزم بان المجعول فيها الطريقية . واما ما يظهر من عبارته - في ذلك المبحث - من احتمال تكفل دليل الاعتبار مطلقا ولو في الأصول لالغاء احتمال الخلاف فهو غير واضح ، إذ لا يحتمل هذا المعنى في أدلة البراءة أصلا .