ميرزا محمد تقي الأصفهاني
28
مكيال المكارم
قال ( عليه السلام ) هذه الحروف من أنباء الغيب ، أطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد ( صلى الله عليه وآله ) . وذاك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة ، فأهبط عليه جبرائيل ، فعلمه إياها فكان زكريا ( عليه السلام ) إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن سلام الله عليهم سري عنه همه ، وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين ( عليه السلام ) خنقته العبرة . ووقعت عليه البهرة . فقال ذات يوم : إلهي ، ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي ، فإذا ذكرت الحسين تدمع عيني ، وتثور زفرتي ؟ فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصته ، فقال : * ( كهيعص ) * فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد ، وهو ظالم الحسين ( عليه السلام ) والعين عطشه ، والصاد صبره . فلما سمع بذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيهن الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب ، وكان يرثيه : إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده ! إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ! ! إلهي أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة ! إلهي أتحل كربة هذه المصيبة بساحتهما ثم كان يقول : إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر فإذا رزقتنيه ، فافتني بحبه ، ثم افجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده فرزقه الله تعالى يحيى ، وفجعه به . وكان حمل يحيى ستة أشهر ، وحمل الحسين ( عليه السلام ) كذلك . فقلت أخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ، قال ( عليه السلام ) مصلح أو مفسد ؟ قلت مصلح قال هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ قلت : بلى ، قال : فهي العلة ، أيدتها لك ببرهان يقبل ذلك عقلك قلت نعم . قال ( عليه السلام ) : أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب ، وأيدهم بالوحي والعصمة ، إذ هم أعلام الأمم ، فأهدى إلى ثبت الاختيار ، ومنهم موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذ هما بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق ، وهما يظنان أنه مؤمن ؟ قلت : لا قال ( عليه السلام ) فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله ، وكمال علمه ، ونزول الوحي عليه ، اختار من أعيان قومه ، ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ، ممن لم يشك في إيمانهم ، وإخلاصهم ، فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله عز وجل : * ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ) * الآية .