ابن قتيبة الدينوري
مقدمة الطبعة الثانية 25
المعارف
5 وبعد ، فهذان هما ثبتا « المحبر » و « المنمق » ، يسردان لنا الموضوعات سردا ، وها نحن أولاء نرى أن الاتفاق بينهما في هذا القدر القليل الَّذي أشرت إليه والَّذي لا يعدو صفحات ، وأن ما بعد هذا فالأبواب مختلفة وأنه ليس ثمة اتفاق بينهما . ونحن بعد هذا نملك ثبت المعارف ، وهو قريب هنا بين يدينا ، وإن نظرة شاملة في هذه الأثبات الثلاثة تقفنا على مناهج هذه الكتب : « المحبر » و « المنمق » والمعارف ، وتكشف لنا عما فيها ، وتعطينا البرهان القاطع والحجة البينة . فالمحبر والمعارف كما ترى موسوعتان تاريخيتان تمضيان كما تمضى الموسوعات التاريخية في تسلسل واتساق معين ، من أجل هذا جاء هذا الشك في صلة الكتابين - أعنى المحبر والمعارف - وأن ثانيهما أخذ من أولهما ، ولكن كتاب المنمق يتناول جزئية من جزئيات الكتابين ، وهو يتناولها في تفصيل كثير ، لأنه فرغ لها . من أجل هذا جاء هذا الاتفاق بينه وبين المحبر وبينه وبين المعارف في هذه الجزئية وحدها ، لم يشاركهما في غيرها ، فما عرض حول هذه الجزئية في « المحبر » لا شك جاء مفصلا في « المنمق » ، إذ أن الموضوع الَّذي أفرد له « ابن حبيب » كتابه « المنمق » كان غرضا مقصودا بعينه ، فاحتاج إلى هذا التفصيل ، ولم يكن كذلك في كتاب « المحبر » لهذا أوجز ، ومن أجل هذا الاتفاق الَّذي لم يكن يعرف مداه أثير هذا الشك عن صلة كتاب المعارف بكتاب المنمق ، بعد أن أثير مثله عن كتاب المحبر ، غير أن هذه الصلة الثانية كنا نملك أدله الموازنة فيها وأسباب الحكم ، وكانت الصلة الأولى ظنّا عامّا قبل أن يعثر على نسخة من المنمق ، ثم كانت ظنّا خاصّا حين عثر على نسخة من هذا الكتاب وحين قدمها لنا الأستاذ « حميد الله » في كلمة الختام التي ختم بها عمله في كتاب المحبر ، ثم كانت كلمة فاصلة حين ملكنا كتاب المنمق واستوعبنا ما فيه . ولقد بدا واضحا أن الاتفاق بين الكتابين ليس كبيرا ، كما أوحت بذلك كلمة