ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 113

المعارف

وهكذا يكشف عما قصد إليه « ابن قتيبة » ، فلقد قصد إلى أن يسوق رؤس الموضوعات ولا يعنيه التفصيل . ولئن صح هذا فلا تثريب على « ابن قتيبة » في اختصاره ، ولا تثريب عليه في أنه لم يطل . ( 4 ) لقد كان « ابن قتيبة » - شأنه شأن الرواة والمؤلفين القدامى - ينقل ما ينقل راويا عن الرواة . وكان هذا نهجه في سائر الكتاب غير بابه الأوّل « مبتدأ الخلق » . ( 1 ) فهو في هذا الباب الأوّل اعتمد على الإسرائيليات كثيرا ، يصرح بنقله عن التوراة حينا ولا ينقل عنها بنصها ، ويصرح بنقله عن « وهب بن منبه » حينا آخر . ( 2 ) وما عاصر « ابن قتيبة » « وهب بن منبه » ولا أخذ عنه . ف « وهب » كانت وفاته سنة 110 هجرية ، أي قبل ميلاد « ابن قتيبة » بنحو من قرن تقريبا . ( 3 ) ولقد نقل غير « ابن قتيبة » عن « وهب » كالطبري بمثل هذا السند المنقطع ، كثيرا من الأخبار التي نقلها « ابن قتيبة » من هذه الإسرائيليات ، فإلى « وهب » يعزى الكثير منها ، كما عزى إلى « كعب الأحبار » . ( 4 ) وكما لم يعن المؤرّخون القدامى بتحليل هذه الإسرائيليات ، وإنما اكتفوا بروايتها ، فحسب ، كذلك فعل « ابن قتيبة » هو الآخر ، وكان في استطاعتهم أن يجرّدوا هذه الإسرائيليات مما ينافي العقل ويأباه المنطق . ولقد كان بين يدي المؤرّخين المسلمين - ومنهم « ابن قتيبة » - القرآن الكريم يريحهم من كثير مما أوردوا ، لو التزموا ما أورد القرآن من سيرة الأنبياء ، ولم يكلفوا أنفسهم العناء في رواية غيره .