حسين غيب غلامي

116

محو السنة أو تدوينها

يصلح منها لعصر ، قد لا يصلح لعصر آخر ، وما تصح به حياة الناس في عهد ، قد تفسد به حياتهم في عهد ثان ، وأنهم لو ساسوا الناس في أيامهم بما ساس به عمر بن الخطاب الناس في أيامه ، لساءت أحوالهم ، والتوت حياتهم ، وتعطلت منافعهم ، واهتضمت حقوقهم . ولذلك كانوا يرون أن من واجب الخليفة أن ينظر في أمور أهل عصره ، ويقدر السياسة التي تحقق مصالحهم ، وتحفظ أمنهم . وكان عبد الملك بن مروان أهم من شرح رأيهم في هذه المسألة ، إذ يقول لثعلبة بن أبي مالك القرظي المدني ، وقد حج سنة خمس وسبعين ( 1 ) : " أين الناس الذين كان يسير فيهم عمر بن الخطاب والناس اليوم ، يا ثعلبة ، إني رأيت سيرة السلطان تدور مع الناس ، إن ذهب اليوم رجل يسير بتلك السيرة ، أغير على الناس في بيوتهم ، وقطعت السبل ، وتظالم الناس ، وكانت الفتن ، فلا بد للوالي أن يسير في كل زمان بما يصلحه " . تخوف الأمويين من ثورة الناس وكان الخلفاء الأمويون يخشون أن يندد أهل الشام بسياستهم ، ويشهروا بممارساتهم ويثوروا على خلافتهم ويسعوا للتطويح بدولتهم ، إذا هم أباحوا لهم الاطلاع على سيرة الخلفاء الرشدين ، وسمحوا لهم بروايتها ، وتغافلوا عن تمثلهم بها ، وتعاضوا عن مقارنتهم بينها وبين سيرة الخلفاء الأمويين وكان عبد الملك بن مروان ممن خاف عواقب ذلك منهم ، فصرف أهل الشام عن تناقل لسيرة عمر بن الخطاب ، ومنعهم من الخوض فيها ، وحرم عليه التنويه بها .

--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 5 / 233 .