ابن شبة النميري
827
تاريخ المدينة
سفيان فدعا بغدائه ، فلما فرغ من الثريد رفع ، فوضعت بين يديه قصعة أخرى فصاح فقال : ما هذا ؟ فأرسل يزيد إلى معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه - وكان صاحب إمرة - فقال معاوية رضي الله عنه : ما الذي أنكرت يا أمير المؤمنين ؟ قال : ما بالي توضع بين يدي قصعة وترفع أخرى ؟ قال : إنك هبطت أرضا كثيرة الأطعمة فخفت عليك وخامتها ، فأشر إلي إن شئت حتى ألزمكه ، فأشار إلى الثريد . فقام قسطنطين - وهو صاحب بصرى - بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين : إن أبا عبيدة قد فرض علي الخراج ، فاكتب له به ، فأنكر عمر ذاك وقال : فما فرض عليك ؟ قال : فرض علي أربعة دراهم وعباءة على كل جلهمة - يعني الجماجم ( 1 ) - فقال عمر رضي الله عنه لأبي عبيدة : ما يقول هذا ؟ قال : كذب ، ولكني صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا ، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج ، فقال عمر رضي الله عنه : أبو عبيدة أصدق عندنا منك ، فقال قسطنطين : صدق أبو عبيدة ، وكذبت أنا . قال : ويحك ، فماذا أردت بمقالتك ؟ قال : أردت أن أخدعك ، ولكن افرض علي يا أمير المؤمنين الآن ، قال : فجاثاه النبطي مجاثاة الخصم عامة النهار ، ففرض على الغني ثمانية وأربعين وعلى الوسط أربعة وعشرين ، وعلى الناس اثني عشر درهما ، وشرط عليه عمر رضي الله عنه أن يشاطرهم منازلهم فينزل فيها المسلمون ، وعلى أن لا يضربوا بناقوس ولا يرفعوا صليبا إلا في جوف كنيسة ، وعلى أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما في أيديهم ، وعلى أن لا يمر خنزير
--> ( 1 ) وفي تاج العروس 8 : 241 " العرب يسمون الرجل جلهمة والمرأة جلهم " .