ابن شبة النميري
404
تاريخ المدينة
فجاء فقعد يمسح عينيه وينظر إلى السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لها هبلت ( 1 ) " وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلام تنظر ، هل ترى السماء شيئا ؟ " قال : نعم ، إني لأرى جزلا ( 2 ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلط خلط الله عليه ، أتشهد أني رسول الله ؟ " قال : أشهد أنك رسول الأميين ، أتشهد أنت أني رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله ورسله " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد خبأت لك خبيئا فما هو ؟ " قال له ابن صياد : دخ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اخسأ فإنك لن تعدو أجلك " وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) ( 3 ) . * حدثنا علي بن عاصم قال ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن صائد ومع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أتشهد أني رسول الله ؟ " فقال له ابن صائد : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله - مرتين - يا بن صائد ، انظر ماذا ترى ؟ " قال : أرى كاذبين وصادقا ، وكاذبا وصادقين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ليس عليه فاتركوه " ( 4 ) .
--> ( 1 ) هبلت : أي مالها ثكلت ( لسان العرب ) . ( 2 ) الجزل : العظيم الكثير من الشئ ( أقرب الموارد ) . ( 3 ) سورة الدخان آية 10 . ( 4 ) في ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل 2 : 420 ، وفي صحيح مسلم 10 : 377 بالسند المذكور عن أبي سعيد الخدري قال - أبو سعيد الخدري - لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال هو : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه " ما ترى ؟ قال : أرى عرشا على الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ترى عرش إبليس على البحر " وما ترى ؟ قال أرى صادقين وكاذبا أو كاذبين وصادقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس عليه ، دعوه " . وفي ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل 2 : 421 " ليس عليه ، دعوه " . وفي رواية أخرى ، 2 : 419 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلط عليه الامر " وذكر ابن الأثير في ( جامع الأصول ) قال الخطابي رحمه الله : قد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا شديدا ، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول . فقيل كيف أبقى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعي النبوة كاذبا وتركه بالمدينة في داره يجاوره فيها ؟ وما معنى ذلك ؟ وما وجه امتحانه بما خبأه له من آية الدخان ؟ ، وقوله بعد ذلك : " اخسأ فلن تعدو قدرك ؟ " قال : والذي عندي أن هذه القضية إنما جرت معه أيام مهادنته اليهود وحلفاءهم ، وذلك بعد مقدمه المدينة ، فإنه كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على ألا يهاجوا ، وأن يتركوا على أمرهم ، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم ، وكان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ، وما يدعيه من الكهانة ، ويتعاطاه من الغيب ، فامتحنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبرز أمره ويخبر شأنه ، فلما كلمه على أنه مبطل وأنه من جملة السحرة أو الكهنة ، أو ممن يأتيه رئي من الجن ، أو يتعاهده شيطان ، فيلقي على لسانه بعض ما يتكلم به " فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : " الدخ " زبره فقال : " اخسأ فلن تعدو قدرك " يريد أن ذلك شيئا أطلع الله تعالى عليه الشيطان فألقاه إليه ، وأجراه على لسانه ، وليس ذلك من قبيل الوحي السماوي ، إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب ، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون الغيب فيصيبون بنو قلوبهم ، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في البعض ، وذلك معنى قوله : يأتيني صادق وكاذب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد خلط عليك " قال والجملة من أمره أنه كان فتنة امتحن الله بها عبادة المؤمنين : " ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة " كما امتحن الله تعالى قوم موسى بالعجل ، فافتتن به قوم وهلكوا ، ونجا من هداه الله وعصمه . قال وقد اختلفت الروايات في كفره ، وفيما كان من أمره وشأنه بعد كبره ، فروى أنه تاب عن ذلك القول ، ثم إنه مات بالمدينة ، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه ، كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم : أشهدوا . وروى غيره ذلك . ( شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل للعلامة السفاريني الحنبلي 2 : 429 ) .