ابن شبة النميري
557
تاريخ المدينة
مخافة أن يصيبها ما أصاب عادا وثمودا من معاريض البلاء ودواعي الشقاء ، فلما كثرت قحطان وضاق فجاجها ساق بعضهم بعضا ، وانتجعوا أرضا أرضا ، وأقامت بنو عمرو بن خالد بن جذيمة ، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار ساروا إليهم فساقوهم السمام ، وأوردوهم الحمام ، فأجلوهم عناء ، فتوجهوا منها إلى ضواحي اليمن . والتمست إياد الناصف لما أصابوا من المغنم فأبت قيس عليهم ، وكانت قيس أكثر من إياد عددا ، وأوسع منهم بلدا ، فرحلت إياد إلى العراق ، وأقامت قيس ببطن وج ليست لهم سائبة يأكلون ملاحها ( 1 ) ويرعون سراحها ، ويحتطبون طلاحها ، ويأبرون نخلها ، ويأرون ( 2 ) نجلها ، سهلها وجبلها ، حتى أوقدت الحرب في هبواتها ، وخاضوا الاصابي ( 3 ) في غمراتها ، وأخرجوهم من سرواتها ، وأناخوا على إياد بالكلكل ، وسقوهم بصبير النيطل ( 4 ) ، حتى خلا لهم خيارها وحزونها ، وظهورها وبطونها ، وقطورها وعيونها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة ، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لمسلم بها لحاق
--> ( 1 ) يأكلون ملاحها : الملاح ضرب من البنات . ويرعون سراجها : سراحها جمع سرحة أو سرح ، والسرح : السهل ويقال للناقة سرح أيضا ( النهاية في غريب الحديث 2 : 358 ، 4 : 355 ) . ( 2 ) يأرون نجلها : الأرن النشاط . والنجل : النز الذي يخرج من الأرض والوادي . وكأن المعنى ينشطون مسايل الماء في الوديان والجبال ( اللسان وتاج العروس - ارن - نجل ) ( 3 ) صاب رمحه : إذا صدر سنانه للأرض للطعن به ( اللسان " صبا " ) . ( 4 ) وسقوهم بصبير النيطل : أي بسحاب الموت والهلاك . الصبير : سحاب أبيض متراكب متكاثف . النيطل : الموت والهلاك ( النهاية في غريب الحديث 3 : 9 ، 5 : 76 ، أقرب الموارد 2 : 1315 ) .