ابن شبة النميري
مقدمة المحقق 11
تاريخ المدينة
منتصف القرن الثاني الهجري وحتى وقتنا هذا والكتابة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم شغل كثيرين من مفكري الاسلام . وقد أحصى السخاوي المتوفى سنة 902 ه حوالي مائة مؤلف تتناول السيرة العطرة ، ولعلها الآن قد تجاوزت الآلاف . وقد اشتغل بعض المؤرخين المسلمين بالتأريخ للمدن الاسلامية ، وأخذت كتابتهم صورا متعددة من صور المعالجة التاريخية . وإذا كان التأريخ لبعض المدن جاء عرضا في كتب السيرة إلا أنها لم تحظ بوقفات طويلة تروي ظمأ ، أو تشفي غلة ، اللهم إلا ما كان يتصل بمدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو بمكة المكرمة . لكن تاريخ المدن تناول جوانب عديدة يجد فيها الطالب بغيته . ويقال إن التأريخ للمدن نشأ في القرن الثالث الهجري ، لكننا نقرأ أخبارا عن تواريخ نشأت قبل ذلك ، مثل تاريخ مكة للحسن البصري المتوفى سنة 110 ه ومنه نسخة في مكتبة تيمور بدار الكتب المصرية . وتاريخ المدينة لابن زبالة الذي لا يعلم تاريخ وفاته ، ولكنه كان حيا سنة 199 ه . غير أن القرنين الثالث والرابع فد حظيا بكثير من المؤلفات في تواريخ المدن . وكثير منها ينسب لمحمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة 207 ه وكثير ينسب للمدائني علي بن محمد المتوفي سنة 215 ه ، وكتاب تاريخ مكة للأزرقي المتوفى سنة 244 ه ، وكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم المتوفى سنة 257 ه ، ثم يأتي دور كتاب تاريخ المدينة لابن شبة وتواريخه الأخرى ، ويستمر تيار التأريخ للمدن منطلقا عبر القرون . وإذا نظرنا إلى طبيعة تواريخ المدن فإننا نجد عناوينها تحدد طبيعة بعضها ، فإذا قيل فتوح مصر والمغرب ، أو فتوح أرمينيا ، أو فتوح الشام ، أو قبل طبقات محدثي الموصل ، أو شعراء البصرة ، أو فضلاء المدينة ، أو طبقات علماء أفريقيا وأهل تونس ، أو قراء كذا ، أو فقهاء كذا ، أو ملوك كذا ، فقد تحددت طبيعة التأريخ للمدينة . ولكننا نجد كثيرا من كتب التأريخ للمدن يتناول كل ما يتصل بالمدينة