الشيخ وحيد الخراساني
13
مقدمة في أصول الدين
عندما يواجه الإنسان أية ظاهرة في الوجود يفحص ويبحث عن الموجد لها ، والفطرة الإنسانية متعطشة إلى معرفة مبدأ الوجود ومنتهاه . لكن جوهرة الإيمان بالله ومعرفته ، التي هي أغلى جواهر خزانة العلم والمعرفة ، لا ينالها - بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف - من تلبس بالظلم للإيمان والمعرفة بالله ، لأن إعطاء الحكمة لمن ليس بأهلها ظلم لها ، وإمساكها عن أهلها ظلم لأهلها . كما أن الإنسان لا يمكنه بحال أن يعتقد بعدم المبدأ والمعاد ، إلا إذا أحاط بكل الوجود ، وأحاط بسلسلة العلل والمعلولات ، ولم يجد المبدأ والمعاد ، فما لم تتحقق هذه المعرفة المحيطة ، فإن يقينه بعدم المبدأ والمعاد محال ، بل غاية ما يمكنه هو الجهل بهما . وعلى هذا ، فإن مقتضى العدل والإنصاف للشاك في وجود الله تعالى أن لا يتجاوز مقتضى الشك قولا وعملا ، فعليه أن يعترف بعدم العلم ، وليس له أن يدعي العلم بالعدم ، مثلا من احتمل وجودا تترتب على وجدانه السعادة الأبدية ، وعلى فقدانه الشقاء الأبدي ، فإن وظيفته العقلية أن لا ينكر وجوده بلسانه ولا بقلبه ، وأن يواصل - في مقام العمل - البحث عنه بكل استطاعته ، ويراعي الاحتياط في سلوكه حتى لا يخسر السعادة الأبدية ، ولا يقع في الشقاء الأبدي على فرض وجوده ، وذلك كما يحكم العقل عليه بأن يمسك عن الطعام اللذيذ الذي يحتمل أن فيه سما يوجب هلاكه . وكل شاك في وجود الله ، إذا عمل بمقتضى العدل ، الذي هو واجبه العقلي يصل بلا شك إلى المعرفة والايمان { والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( 1 ) ، وإلا
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 69 .