السيد شرف الدين
90
مسائل فقهية
وحسبنا حجة على هذا قوله عز من قائل : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، لاقتضائه فرض المسح على الأرجل أنفسها . فمن أين جاء المسح على الخفين ؟ أنسخت هذه الآية ؟ أم هي من المتشابهات ؟ كلا بل هي - إجماعا وقولا واحدا - من المحكمات اللاتي هن أم الكتاب ، وقد أجمع المفسرون ( 1 ) على أن لا منسوخ في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء إلا آية واحدة هي : " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " إذ قال بعضهم بنسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة . أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفين فلم يثبت منها شئ على شرطنا ، وقد دلنا على وهنها مضافا إلى ذلك أمور : أحدها : أنها جاءت مخالفة لكتاب الله عز وجل ، والمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ( 2 ) . ثانيها : أنها جاءت متعارضة في أنفسها ولذا كثر الاختلاف بين مصححيها العاملين على مقتضاها كما علمته مما أشرنا إليه قريبا . فإنهم إنما تعارضوا في أقوالهم لتعارضها إذ هي مستندهم في تلك الأقوال ( 3 ) .
--> ( 1 ) نقل هذا الإجماع فخر الدين الرازي ص 371 من الجزء 3 من تفسيره الكبير . ( 2 ) تجد هذا الحديث في آخر ص 371 من الجزء الثالث من تفسير الرازي . ( 3 ) كما اعترف به ابن رشد في أول صفحة 15 من الجزء الأول من بدايته حيث ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح . فقال : وسبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك ، واعترف به أيضا في ص 16 حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال : والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك ( قال ) وذلك أنه ورد في هذا ثلاثة أحاديث ثم أوردها بنصها فكان الأول فيها صريحا في كون الوقت ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم ، وكان الثاني نصا في الترخيص بالمسح على الخفين ما بدا للمكلف أن يمسح من غير توقيت لا في الحضر ولا في السفر ، وكان نص الثالث مخالفا لسابقيه . . . ومن أراد التوسع في معرفة اختلاف الأئمة الأربعة حول هذه المسألة فعليه بكتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية تحقيقا لرجاء الملك فؤاد الأول .