ابن تيمية

95

مجموعة الرسائل والمسائل

النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) وقال تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لا نبي بعده ، وقد نسخ بشرعه ما نسخه من شرع غيره ، فلم يبق طريق إلى الله إلا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فما أمر به من العبادات أمر إيجاب أو استحباب فهو مشروع وما رغب فيه وذكر ثوابه وفضله . ولا يجوز أن يقال أن هذا مستحب أو مشروع إلا بدليل شرعي ، ولا يجوز أن يثبت شرعية بحديث ضعيف ، لكن إذا ثبت أن العمل مستحب بدليل شرعي ، وروي له فضائل بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يعلم أنها كذب ، وذلك أن مقادير الثواب غير معلومة ، فإذا روي في مقدار الثواب حديث لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يكذب به ، وهذا هو الذي كان للإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخصون فيه وفي روايات أحاديث الفضائل . وأما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف فحاشى لله ، كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونون يستحلون روايته إلا أن يثبتوا أنه كذب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " . وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه . فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة كتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعل . وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد ، فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد وسافرنا لذلك كنا متبعين له ، وكذلك إذا ضرب لإقامة حد ، بخلاف من شاركه في السفر وكان قصده غير قصده أو شاركه في الضرب وكان قصده غير قصده ، فهذا ليس بمتابع له ، ولو فعل بحكم الاتفاق مثل نزوله في السفر بمكان ، أو أن يصب في أدواته ماء فصبه في أصل شجرة ، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق ونحو ذلك ، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك ؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك . وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك لأن هذا ليس بمتابعة له ، إذ المتابعة لا بد فيها من القصد ، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل