ابن تيمية

89

مجموعة الرسائل والمسائل

من اتبعك من الغاوين ) والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون به شيئاً ، وإنما يعبد الله بما يأمر به على ألسنة رسله ، فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين . وهذا باب دخل في أمر عظيم على كثير من السالكين واشتبهت عليهم الأحوال الرحمانية بالأحوال الشيطانية ، وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة ، وظنوا أن ذلك من كرامات أولياء الله المتقين كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع . السادس أن هذه الطريقة لو كانت حقاً فإنما تكون في حق من لم يأته رسول . فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل . وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة ، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل . فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف وهي طريق جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق ، بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد إلهاماً ينفعه ، وهذا قد يحصل لك أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق ؟ ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ، ويملؤه بما يحبه الله ، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله ، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله ، وكذلك يخرج منه عند خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى ، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله ( 1 ) وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه ، لا يناقضه وينافيه ، كما قال جندب وابن عمر " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً " . وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول : لا إله إلا الله - فهذا قد ينتفع به الإنسان أحياناً لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله تعالى

--> ( 1 ) وأبو حامد يقصد كل هذا بتصوفه وفصله في أحيائه ، وقد أخطأ في بعض المسائل كالمبالغة في الزهد كأكثر العباد من السلف والخلف ، والقول بالجبر كأكثر الأشعرية وهذا من خطأ العلماء الاجتهادي الذي ذكر شيخ الإسلام مسائل منه عن الصحابة والتابعين وغيرهم وعذرهم فيه بتأولهم واجتهادهم