ابن تيمية
86
مجموعة الرسائل والمسائل
جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين ) وكثير منهم لا يحد للخلوة مكاناً ولا زماناً بل يأمر الإنسان أن يخلو في الجملة . ثم صار أصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية : الصلاة والصيام والقراءة والذكر . وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة ، فمن ذلك طريقة أبي حامد ومن تبعه ، وهؤلاء يأمرون صاحب الخلوة أن لا يزيد على الفرض ، لا قراءة ولا نظراً في حديث نبوي ولا غير ذلك ، بل قد يأمرونه بالذكر ، ثم قد يقولون ما يقوله أبو حامد : ذكر العامة : لا إله إلا الله ، وذكر الخاصة : الله الله ، وذكر خاصة الخاصة : هو هو . والذكر بالاسم المفرد مظهراً ومضمراً بدعة في الشرع وخطأ في القول واللغة ، فإن الاسم المجرد ليس هو كلاماً لا إيماناً ولا كفراً . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر " وفي حديث آخر " أفضل الذكر لا إله إلا الله " وقال " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة . وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع وليس هو بكلام يعقل ولا فيه إيمان ، ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس قصدنا ذكر الله تعالى ، ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما يرد عليها ، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات ، فإذا اجتمع قلبه ألقي عليه حالاً شيطانياً فيلبسه الشيطان ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى ، وأنه أعطي ما لم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا موسى عليه السلام يوم الطور ، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا . وأبلغ من ذلك من يقول ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان ، حتى يقول لا فرق بين قولك يا حي وقولك لا جحش . وهذا مما قاله لي شخص منهم وأنكرت ذلك عليه ، ومقصودهم بذلك أن تجتمع النفس حتى يتنزل فيها الشيطان .