ابن تيمية

83

مجموعة الرسائل والمسائل

والمقصود هنا الفرق بين ما هو مشروع سواء كان واجباً أو مستحباً ، وما ليس بمشروع . فالمشروع هو الذي يتقرب به إلى الله تعالى ، وهو سبيل الله ، وهو البر والطاعة والحسنات والخير والمعروف ، وهو طريق السالكين ، ومنهاج القاصدين والعابدين ، وهو الذي يسلكه كل من أراد الله وسلك طريق الزهد والعبادة ، وما يسمى بالفقر والتصوف ونحو ذلك . ولا ريب أن هذا يدخل فيه الصلوات المشروعة واجبها ومستحبها ، ويدخل في ذلك قيام الليل المشروع وقراءة القرآن على الوجه المشروع ، والإذكار والدعوات الشرعية . وما كان من ذلك موقتاً بوقت كطرفي النهار ، وما كان متعلقاً بسبب كتحية المسجد ، وسجود التلاوة ، وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستخارة ، وما ورد من الأذكار والأدعية في ذلك . وهذا يدخل فيه أمور كثيرة ، وفي ذلك من الصفات ما يطول وصفه ، وكذلك يدخل فيه الصيام الشرعي كصيام نصف الدهر وثلثه أو ثلثيه أو عشره وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ويدخل فيه السفر الشرعي ، كالسفر إلى مكة وإلى المسجدين الآخرين ، ويدخل فيه الجهاد على اختلاف أنواعه ، وأكثر الأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد ، ويدخل فيه قراءة القرآن على الوجه المشروع . والعبادات الدينية أصولها الصلاة والصيام والقراءة التي جاء ذكرها في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، لما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال " ألم أحدث أنك قلت لأصومن النهار ، ولأقومن الليل ، ولأقرأن القرآن في ثلاث ؟ " قال بلى . قال " فلا تفعل : فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ، ونفهت له النفس ( 1 ) " ثم أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، فقال إني أطيق أكثر من ذلك ، فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال : إني أطيق أكثر من ذلك فقال " لا أفضل من ذلك " وقال " أفضل الصيام صيام داود عليه السلام ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولا يفر إذا لاقى . وأفضل القيام قيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه " وأمره أن يقرأ القرآن في سبع .

--> ( 1 ) هجمت : أي غارت ودخلت في موضعها . ونفهت : أعيت وكلت