ابن تيمية
77
مجموعة الرسائل والمسائل
النصوص بخلاف إدراك الذوق ، فإنه مستلزم للأكل وذلك مستلزم للنقص كما تقدم . وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين . ومنهم من قال إنه يمكن أن يتعلق به هذه الأنواع كما تتعلق به الرؤية ، لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود ، ولم يقولون أنه متصف بها . وأكثر مثبتي الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية ، بل قالوا إن المقتضى أمور وجودية ، لا أن كل موجود يصح رؤيته ، وبين الأمرين فرق ، فإن الثاني يستلزم رؤية كل موجود بخلاف الأول ، وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور وجودية لا يشترط فيها أمور عدمية ، فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم كان أحق بأن تجوز رؤيته ، ومنهم من نفى ما سوى السمع ولبصر من الجانبيين . فصل وأما قول القائل : الكمال والنقص من الأمور النسبية - فقد بينا أن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وأنه الكمال الممكن للوجود ، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً ، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص فيكون كمالاً من وجه دون وجه كالأكل للجائع كمال له وللشبعان نقص فيه ، لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص . والتعالي والتكبر والثناء على النفس وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية هذا كمال محمود من الرب تبارك وتعالى ، وهو نقص مذموم من المخلوق ، وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية كقوله ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) وقوله تعالى ( ادعوني أستجيب لكم ) وقوله ( إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) وقوله ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ) وقوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) وقوله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقود الإشهاد ) وقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه وهو في ذلك صادق