ابن تيمية
71
مجموعة الرسائل والمسائل
فصل وأما قول القائل : لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصاً . وقول الآخر لو قدر وعذب لكان ظلماً ، والظلم نقص - فيقال : أما المقالة الأولى فظاهره فإنه إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه وما لا يخلقه ولا يحدثه لكان نقصاً من وجوه : ( أحدها ) أن انفراد شيء من الأشياء عنه بالأحداث نقص لو قدر أنه في غير ملكه فكيف في ملكه ؟ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اثنين أحدهما يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء ، والآخر يحتاج إليه بعض الأشياء ويستغنى عنه بعضها كان الأول أكمل ، فنفس خروج شيء عن قدرته وخلقه نقص ، وهذه دلائل الوحدانية ، فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين ، وليس الكمال المطلق إلا في الوحدانية ، فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين ، ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض ، ومن افتقر إليه كل شيء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء . ومنها أن يقال : كونه خالقاً لكل شيء وقادراً على كل شيء أكمل من كونه خالقاً للبعض وقادراً على البعض . والقدرية لا يجعلونه خالقاً لكل شيء ولا قادراً على كل شيء . والمتفلسفة القائلون بأنه من علة غائبة شر منهم ، فإنهم لا يجعلونه خالقاً لشيء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات ، ولا خالقاً لما يحدث بسبب ذلك ولا قادراً على شيء من ذلك ولا عالماً بتفاصيل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وإن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على كل شيء قدير ، ولا أن الله قد أحاط بكل شيء علماً . ( ومنها ) أنا إذا قدرنا مالكين أحدهما يريد شيئاً فلا يكون ويكون ما لا يريد ، والآخر لا يريد شيئاً إلا كان ولا يكون إلا ما يريد ، علمنا بالضرورة أن هذا أكمل .