ابن تيمية
7
مجموعة الرسائل والمسائل
من جنس برح العابد ، والنهي قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول مثل أن يدعو الله دعاء منهياً عنه اعتداء عليه . وقد قال تعالى ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ) ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت كشفاً أو تأثيراً ( والثاني ) أن يدعو على غيره بما لا يستحقه ، أو يدعو للظالم بالإعانة ويعينه بهمته ، كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال . فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة بحيث يعذرون والناقصين نقصاً لا يلامون عليه كانوا برحية ( 1 ) . وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه ، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية ، فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو لمقصود منهي عنه فإما أن يكون معذوراً معفواً عنه كبرح أو يكون متعمداً للكذب كبلعام . فتخلص أن الخارق ثلاثة أقسام : محمود في الدين ، ومذموم في الدين ، ومباح لا محمود ولا مذموم في الدين . فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث . قال أبو علي الجوزجاني : كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة ، فإن نفسك منجلية على طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة . قال الشيخ السهروردي في عوارفه : وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب ، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب ، وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ، ويحبون أن يرزقوا شيئاً من ذلك ، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك ، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر ، فيعلم
--> ( 1 ) نسبة إلى الراهب المتقدم ذكره