ابن تيمية
44
مجموعة الرسائل والمسائل
فإذا قيل : الوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ، فهو مثل أن يقال . الموجود إما قديم وإما حادث والحادث لا بد له من قديم فيلزم ثبوت القديم على التقديرين ، والموجود إما غني وإما فقير ، والفقير لا بد له من الغنى ، فلزم وجود الغني على التقديرين . والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم ، وغير القيوم لا بد له من القيوم . فلزم ثبوت القيوم على التقديرين . والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق ، والمخلوق لا بد له من خالق غير مخلوق ، فلزم ثبوت غير المخلوق على التقديرين ونظائر ذلك متعددة . ثم يقال : هذا الواجب القديم الخالق إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص فيه الممكن الوجود ممكناً له وإما أن لا يكون والثاني ممتنع لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن ، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى ، فإن كلاهما موجود ، والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكناً للمفضول فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى ، لأن ما كان ممكناً لما وجوده ناقص فلأن يمكن لما وجوده أكمل منه بطريق الأولى ، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع اختصاص المفوض لمن كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه ، بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى ، ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملاً هو أحق بالكمال منه ، فالذي جعل غيره قادراً أولى بالقدرة ، والذي علم غيره أولى بالعلم ، والذي أحيا غيره أولى بالحياة . والفلاسفة توافق على هذا ، ويقولون : كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة والعلة أولى به . وإذا ثبت إمكان ذلك له فما توقف على غيره لم يكن موجوداً له إلا بذلك الغير ، وذلك الغير إن كان مخلوقاً له لزم الدور القبلي الممتنع فإن ما في ذلك الغير