ابن تيمية

39

مجموعة الرسائل والمسائل

والكلابية ومن اتبعهم ينفون صفات أفعاله ويقولون : لو قامت به لكان محلاً للحوادث ، والحادث إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله ، وهو نقص ، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به . وطائفة منهم ينفون صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار . وهكذا نفيهم أيضاً لمحبته لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب ، ومناسبة الرب للخلق نقص ، وكذا رحمته لأن الرحمة رقة تكون في الراحم ، وهي ضعف وخور في الطبيعة ، وتألم على المرحوم ، وهو نقص . وكذا غضبه ، لأن الغضب غليان دم القلب طلباً للانتقام ، وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه لأن الضحك خفة روح يكون لتجدد ما يسر واندفاع ما يضر . والتعجب استعظام للمتعجب منه . ومنكرو النبوات يقولون : ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولاً ، كما أن أطراف الناس ليسوا أهلاً أن يرسل السلطان إليهم رسولاً . والمشركون يقولون : عظم الرب يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب ، فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع . هذا وإن القائلين بهذه المقدمة لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها ، فلو قيل لهم : أيما أكمل ؟ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات : من الشم والذوق واللمس أم ذات لا توصف بها كلها ؟ لقالوا الأولى أكمل ، ولم يصفوا بها كلها الخالق . وبالجملة فالكمال والنقص من الأمور النسبية ، والمعاني الإضافية ، فقد تكون الصفة كمالاً لذات ونقصاً لأخرى ، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح . كمال للمخلوق ، نقص للخالق ، وكذا التعاظم والتكبر والتفاعل النفسي كمال للخالق نقص للمخلوق ، وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال إنما يكون كمالاً بالنسبة إلى الشاهد ، ولا يلزم أن يكون كمالاً للغائب كما بين ، لا سيما مع تباين الذاتين .