ابن تيمية

34

مجموعة الرسائل والمسائل

وأما إطلاق القول بأنه غني عن نفسه فهو باطل فإنه محتاج إلى نفسه ، وفي إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد ، ولا خالق إلا الله تعالى ، فإذا كان سبحانه عليماً يحب العلم ، عفواً يحب العفو ، جميلاً يحب الجمال ، نظيفاً يحب النظافة ، طيباً يحب الطيب ، وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين ، وهو سبحانه الجامع لجميع الصفات المحبوبة ، والأسماء الحسنى والصفات العلى ، وهو يحب نفسه ويثني بنفسه على نفسه ، والخلق لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه . فالعبد المؤمن يحب نفسه ، ويحب في الله من أحب الله وأحبه الله ، فالله سبحانه أولى بأن يحب نفسه ، ويحب في نفسه عباده المؤمنين ، ويبغض الكافرين ، ويرضى عن هؤلاء ويفرح بهم ، ويفرح بتوبة عبده التائب من أولئك ، ويمقت الكفار ويبغضهم ، ويحب حمد نفسه والثناء عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأسود بن سريع لما قال : إنني حمدت ربي بمحامد فقال " إن ربك يحب الحمد " وقال صلى الله عليه وسلم " لا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل ، ولا أحد أصبر على أذى من الله ، يجعلوه له ولداً وشريكاً وهو يعافيهم ويرزقهم " فهو يفرح بما يحبه ، ويؤذيه ما يبغضه ، ويصبر على ما يؤذيه ، وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ذلك من كماله وكل ذلك من صفاته وأفعاله ، وهو الذي خلق الخلائق وأفعالهم ، وهم لن يبلغوا ضره فيضروه ، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه . وإذا فرح ورضي بما فعله بعضهم فهو سبحانه الذي خلق فعله ، كما أنه إذا فرح ورضي بما يخلقه فهو الخالق ، وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم وصبر على أذاهم بحكمته ، فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد ، وهذا قول عامة القدرية ( 1 ) ونهاية الكمال والعزة .

--> ( 1 ) كذا في الأصل فليحرر مراده من ذكر القدرية هنا