ابن تيمية

31

مجموعة الرسائل والمسائل

فإنه يستلزم أحد أمرين : إما الكفر والفسوق والمعاصي مما يكرهها ديناً فقد كره كونها وأنها واقعة بدون مشيئته وإرادته . وهذا قول القدرية ، أو يقول أنه لما كان مريداً لها شاءها فهو محب راض بها كما تقوله طائفة من أهل الإثبات ، وكلا القولين فيه ما فيه ، فإن الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين وقد رضي عن المؤمنين ، ويحب ما أمر به أمر إيجاب واستحباب ، وليس هذا المعنى ثابتاً في الكفار والفجار والظالمين ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يحب كل مختال فخور ، ومع هذا فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . وأحسن ما يعتذر به من قال هذا القول من أهل الإثبات : أن المحبة بمعنى الإرادة أنه أحبها كما أرادها كوناً ، فكذلك أحبها ورضيها كوناً ، وهذا فيه نظر مذكور في غير هذا الموضع . فإن قيل : تقسيم الإرادة لا يعرف في حينا بل أن الأمر منه بالشيء إما أن يريده أو لا يريده ، وأما الفرق بين الإرادة والمحبة فقد يعرف في حقنا ( فيقال ) وهذا هو الواجب فإن الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس أمره لنا كأمر الواحد منا لعبده وخدمه ، وذلك أن الواحد منا إذا أمر عبده فإما أن يأمره لحاجته إليه أو إلى المأمور به ، أو لحاجته إلى الأمر فقط ، فالأول كأمر السلطان جنده بما فيه حفظ ملكه ومنافعهم له ، فإن هداية الخلق وإرشادهم بالأمر والنهي هي من باب الإحسان إليهم ، والمحسن من العباد يحتاج إلى إحسانه قال الله تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) وقال ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ) . والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم وإنما أمرهم إحساناً منه ونعمة أنعم بها عليهم ، فأمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم . وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب من أعظم نعمه على خلقه كما قال ( وما