ابن تيمية

29

مجموعة الرسائل والمسائل

خلقه وهو يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولا فرق بين خلق المضار والمنافع ، والخير والشر بالنسبة إليه . ويقول هؤلاء : إنه لا يتصور أن يفعل ظلماً ولا سفهاً أصلاً ، بل لو فرض أنه فعل أي شيء كان فعله حكمة وعدلاً وحسناً ، إذ لا قبيح إلا ما نهى عنه وهو لم ينهه أحد ، ويسوون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم ، وعقوبة المحسن ، ورفع درجات الكفار والمنافقين . والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد ولا يتضرر بمعصيتهم ، لكن الأولون يقولوا : الإحسان إلى الغير حسن لذاته وإن لم يعد إلى المحسن منه فائدة . والآخرون يقولون : ما حسن منا حسن منه ، وما قبح منا قبح منه ، والآخرون مع جمهور الخلائق ينكرون ، والأولون يقولون : إذا أمر بالشيء فقد أراده منا . لا يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو يضر ، كنحو ما يأمر الواحد منا غيره بشيء فإنه لا بد أن يريده منه ويعينه عليه ، وقد أقدر الكفار بغاية القدرة ، ولم يبق يقدر على أن يجعلهم يؤمنون اختياراً ، وإنما كفرهم وفسوقهم وعصيانهم بدون مشيئته واختياره . وآخرون يقولون : الأمر ليس بمستلزم الإرادة أصلاً ، وقد بينت التوسط بين هذين في غير هذا الموضع ، وكذلك أمره . والأولون يقولون لا يأمر إلا بما فيه مصلحة العباد ، والآخرون يقولون أمره لا يتوقف على المصلحة . وهنا مقدمات ، تكشف هذه المشكلات . إحداها أنه ليس ما حسن منه حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا ، فإن المعتزلة شبهت الله بخلقه ، وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة ، ويقبح لجلبه المضرة ، ويحسن لأنا أمرنا به ، ويقبح لأنا نهينا عنه ، وهذان الوجهان منتفيان في حق الله تعالى قطعاً ، ولو كان الفعل يحسن باعتبار آخر كما قال بعض الشيوخ : ؟ ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا المقدمة الثانية أن الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا وقد يدرك