ابن تيمية
25
مجموعة الرسائل والمسائل
اعتقادها وإدخالها في الدين إذ كانت كذلك ، وكذلك سياسات ولاة الأمور من الولاة والقضاء وغير ذلك . واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن نفسه أنه قد يميز بعقله بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، وبين النافع والضار ، والمصلحة والمفسدة ، ولا يمكن المؤمن أن يدفع عن إيمانه أن الشريعة جاءت بما هو الحق والصدق في المعتقدات ، وجاءت بما هو النافع والمصلحة في الأعمال التي تدخل فيها الاعتقادات ، ولهذا لم يختلف الناس أن الحسن أو القبيح إذا فسر بالنافع والضار والملائم للإنسان والمنافي له واللذيذ والأليم - فإنه قد يعلم بالعقل ، هذا في الأفعال . وكذلك إذا فسر حسنه بأنه موجود أو كمال الموجود يوصف بالحسن . ومنه قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ) وقوله ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) كما نعلم أن الحي أكمل من الميت في وجوده ، وأن العالم أكمل من الجاهل ، وأن الصادق أكمل من الكاذب - فهذا أيضاً قد يعلم بالعقل . وإنما اختلفوا في أن العقل هل يعتبر المنفعة والمضرة . وأنه هل باب التحسين واحد في الخالق والمخلوق ؟ فأما الوجهان الأولان فثابتان في أنفسهما ، ومنهما ما يعلم بالعقل الأول في الحق المقصود ، والثاني في الحق الموجود ( الأول ) متعلق بحب القلب وبغضه وإرادته وكراهته وخطابه بالأمر والنهي ( الثاني ) متعلق بتصديقه وتكذيبه وإثباته ونفيه وخطابه الخبري المشتمل على النفي والإثبات ، والباطل بمعنى المعدوم المنتفي ، والحق بإزاء ما ينبغي قصده وطلبه وعمله ، وهو النافع ، والباطل بإزاء ما لا ينبغي قصده ولا طلبه ولا عمله وهو غير النافع . والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التي هي حصول اللذة ، ودفع الألم هو حصول المطلوب ، وزوال المرهوب حصول النعيم وزوال العذاب ، وحصول الخير وزوال الشر ، ثم الموجود والنافع قد يكون ثابتاً دائماً