ابن تيمية

22

مجموعة الرسائل والمسائل

فالأول يبقى على نفي الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير له . وهذا استدلال بعدم الدليل السمعي المثبت على عدم الحكم ، إذ يلزم من ثبوت مثل هذا الحكم ثبوت دليله السمعي ، كما يستدل بعدم النقل لما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وما توجب الشرعية نقله ، وما يعلم من دين أهلها وعادتهم أنهم ينقلونه على أنه لم يكن ، كالاستدلال بذلك على عدم زيادة في القرآن وفي الشرائع الظاهرة وعدم النص الجلي بالإمامة على علي أو العباس أو غيرهما ، ويعلم الخاصة من أهل العلم بالسنن والآثار وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه انتفاء أمور من هذا هذا ، لا يعلم انتفاءها غيرهم ، ولعلمهم بما بنفيها من أمور منقولة يعلمونها هم ، ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها ؛ فإن وجود أحد الضدين ينفي الآخر ، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم . الطريق السابع المصالح المرسلة ، وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة ، وليس في الشرع ما ينفيه ، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور ، فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة ، ومنهم من يسميها الرأي ، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان ، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم ، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته ، وهذه مصلحة ، لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان . وليس كذلك ، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار ، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين . وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين ، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي . وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي . فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر .