ابن تيمية

17

مجموعة الرسائل والمسائل

بهذا تثبيت قلبه وطمأنينته وإيقانه بصحة طريقه وسلوكه ، فهو يطلب الآية علامة وبرهاناً على صحة دينه ، كما تطلب الأمم من الأنبياء الآيات دلالة على صدقهم ، فهذا أعذر لهم في ذلك . ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم مستغنين في علمهم بدينهم وعملهم به عن الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم ، صار كل من كان عنهم أبعد مع صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم في علم دينه وعمله . فيظهر مع الأفراد في أوقات الفترات وأماكن الفترات من الخوارق ما لا يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النبوة والدعوة . فصل العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة : حسية وعقلية وكشفية وسمعية ضرورية ونظرية وغير ذلك ، وينقسم إلى قطي وظني وغير ذلك ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما يتبع منها وما لا يتبع في الأحكام الشرعية ، أعني الأحكام الشرعية على العلم بالكائنات من طريق الكشف يقظة ومناماً كما كتبه في الجهاد . أما العلم بالدين وكشفه فالدين نوعان : أمور خبرية اعتقادية وأمور طلبية عملية . فالأول كالعلم بالله ، وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم الآخر ، ويدخل في ذلك أخبار الأنبياء وأممهم ومراتبهم في الفضائل ، وأحوال الملائكة وصفاتهم وأعمالهم ، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار ، وما في الأعمال من الثواب والعقاب ، وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم ومراتبهم وغير ذلك . وقد يسمى هذا النوع أصول دين ، ويسمى العقد الأكبر ، ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاماً . ويسمى عقائد واعتقادات ، ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية ، ويسمى علم المكاشفة .