ابن تيمية
123
مجموعة الرسائل والمسائل
بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) وقال تعالى ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ) قالوا هو محمد صلى الله عليه وسلم . فإذا قال قائل فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من المشركين وأهل الكتاب كان عن هذا جوابان . أحدهما أنه نفعهم بحسب الإمكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا الرسالة بإظهار الحجج والآيات التي زلزلت ما في قلوبهم ، وبالجهاد والجزية التي أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرهم ، ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره في الكفر فيعظم كفره ، وكان ذلك تقليلاً لشره ، والرسل صلوات الله عليهم بعثوا لتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان . والجواب الثاني أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع ، كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو احتبس به بعض المسافرين والمكتسبين كالقاصرين ونحوهم ، وما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيراً مقصوداً ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس . وهذا الجواب أجاب به طوائف من المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن الكرامية والصوفية ، وهو جواب كثير من المتفلسفة . وقال هؤلاء جميع ما يحدث في الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال تعالى ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) وقال ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) والضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شراً مطلقاً ، وإن كان شراً بالنسبة إلى من تضرر به . ولهذا لا يجيء في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إضافة الشر وحده إلى الله ، بل لا يذكر الشر إلا على أحد وجوه ثلاثة ، إما أن يدخل في عموم المخلوقات فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تعلق بالعموم ، وإما أن يضاف إلى السبب الفاعل ، وإما أن يحذف فاعله .