ابن تيمية
115
مجموعة الرسائل والمسائل
وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه . وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه هل هو بمعنى إرادته وهو الثواب والعقاب المخلوق ، أم هذه صفات أخص من الإرادة . وتنازعوا فيما وقع في الأرض من الكفر والفسوق والعصيان ، هل يريده ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سائر ما يحدث ؟ أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته ، وهو لا يقدر أن يهدي ضالاً ولا يضل مهتدياً ؟ أم هو واقع بقدرته ومشيئته ؟ ولا يكون في ملكه ما لا يريد وله في جميع خلقه حكمة بالغة ، وهو يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه ، وإن أراده الإرادة الكونية التي تتناول ما قدره وقضاه ، وفروع هذه المسئلة كثيرة . ولأجل تجاذب الأصل ووقوع الاشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات الثلاثة المذكورة في سؤال السائل ، وكل تقدير قال به طواف بني آدم من المسلمين وغير المسلمين . ( فالتقدير الأول ) هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا باعث ، بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة ، وهذا قول كثير ممن يثبت القدر ، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم . وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، وهو قول الأشعري وأصحابه ، وقول كثير من نفاة القياس الظاهرية كابن حزم وأمثاله . ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق لعلة لكان ناقصاً بدونها مستكملاً بها ، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون وجودها أولى به . فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها ، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به ، فيكون مستكملاً بها ، فيكون قبلها ناقصاً .