ابن تيمية
96
مجموعة الرسائل والمسائل
" كان في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء " فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه الغمام ، وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) وفي ذلك آثار معروفة . والدليل على أن هذا الكلام وهو قولهم " وهو الآن على ما عليه الآن " كلام باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع والاعتبار وجوه . أحدها أن الله قد أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عموماً وخصوصاً مثل قوله ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وهو معكم أينما كنتم ) وقوله ( ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم - إلى قوله - أينما كانوا ) وقوله ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، والله مع الصابرين ) في موضعين وقوله ( إنني معكما أسمع وأرى ، لا تحزن إن الله معنا ، وقال الله إني معكم ، إن معي ربي سيهديني ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم اصحبنا في سفرنا ، واخلفنا في أهلنا " فلو كان الخلق عموماً وخصوصاً ليسوا غيره ولا هم معه بل ما معه شيء آخر امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته ، فإن المعية توجب شيئين كون أحدهما مع الآخر فكما أخبر الله أنه مع هؤلاء امتنع علم بطلان قولهم " هو الآن على ما عليه كان " لا شيء معه . بل هو عين المخلوقات ، وأيضاً فإن المعية لا تكون إلا من الطرفين ، فإن معناها المقارنة والمصاحبة ، فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر امتنع ألا يكون الآخر معه ، فمن الممتنع أن يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلاً بل هم هو . الوجه الثاني أن الله قال في كتابه ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً ) وقال تعالى ( فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين ) وقال ( ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه )