ابن تيمية

88

مجموعة الرسائل والمسائل

لا يتصور أن يوجد إلا في المخلوق ، فمن لم يعبده في شيء من المخلوقات أصلاً فما عبده في الحقيقة ، وإذا أطلقوا أنه عبده فهو لفظ لا معنى له ، أي إذا فسروه فيكون بالتخصيص بمعنى أنه خصص بعض المظاهر بالعبادة ، وهذا عندهم نقص لا من جهة ما أشركه وعبده ، وإنما من جهة ما تركه ، فليس عندهم في الشرك ظلم ولا نقص إلا من جهة قلته ، وإلا فإذا كان الشرك عاماً كان أكمل وأفضل . وكذلك أيضاً قول الخليل لقومه ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ) تبرأ عندهم من الحق الذي ظهر فيهم وفي آلهتهم ، وكذلك كفره به ومعاداته لهم كفر بالحق عندهم ومعاداة له . ثم قوله ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) كلام لا معنى له عندهم ، فإنهم كانوا مؤمنين بالله وحده ، إذ لا يتصور عندهم غيره ، وإنما غايتهم أنهم عبدوه في بعض المظاهر وتركوا بعضها من غير كفر به فيها ، وكذلك سائر ما قصه عن إبراهيم من معاداته لما عبده أولئك هو عندهم معاداة لله لأنه ما عبد غير الله كما زعم الملحدون محتجين بقوله ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) قالوا : وما قضى الله شيئاً إلا وقع . وهذا هو الإلحاد في آيات الله ، وتحريف الكلم عن مواضعه ، والكذب على الله ، فإن " قضى " هنا ليست بمعنى القدر والتكوين بإجماع المسلمين بل وبإجماع العقلاء حتى يقال ما قدر الله شيئاً إلا وقع ، وإنما هي بمعنى أمر ، وما أمر الله به فقد يكون وقد لا يكون . فتدبر هذا التحريف ، وكذلك قوله ما حكم الله بشيء إلا وقع كلام مجمل فإن الحكم يكون بمعنى الأمر الديني وهو الأحكام الشرعية كقوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ) الآية ، وقوله ( ومن أحسن من الله حكماً ) وقوله ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) ويكون الحكم حكماً بالحق والتكوين والعقل كقوله ( لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ) وقوله ( قل رب احكم بالحق ) .