ابن تيمية
86
مجموعة الرسائل والمسائل
أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ، إن وجهت وجهي ) إلى قوله ( وهم مهتدون ) وقال أيضاً ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ) إلى قوله ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) وقال تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ) الآية . وقال تعالى ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباءكم الأقدمون ) إلى قوله ( إذ نسويكم برب العالمين ) وقال تعالى ( إذ قال لأبيه وقومه ما تبعدون ، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ) إلى قوله ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ) . فهذا الخليل الذي جعله الله إمام الأئمة الذين يهتدون بأمره من الأنبياء والمرسلين بعده وسائل المؤمنين قال ( إنني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ) وعند الملاحدة الذي أشركوه هو عين الحق ليس غيره ، فكيف يتبرأ من الله الذي وجه وجهه إليه ؟ وأحد الأمرين لازم على أصلهم إما أن يعبده في كل شيء من المظاهر بدون تقيد ولا اختصاص وهو حال المكمل عندهم فلا يتبرأ من شيء ، وإما أن يعبده في بعض المظاهر كفعل الناقصين عندهم . وأما التبرئ منن بعض الموجودات فقد قال : إن قوم نوح لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا من تلك الأوثان ، والرسل قد تبرأت من الأوثان فقد تركت الرسل من الحق شيئاً كثيراً وتبرؤوا من الله الذي دعوا الخلق إليه ، والمشركون على زعمهم أحسن حالاً من المرسلين ، لأن المشركين عبدوه في بعض المظاهر ولم يتبرءوا من سائرها ، والرسل يتبرءون منه في عامة المظاهر . ثم قول إبراهيم ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) باطل على أصلهم ، فإنه لم يفطرها إذ هي ليست غيره ، فما أجدرهم بقوله ( ألم تر إلى الذين أوتوا