ابن تيمية

51

مجموعة الرسائل والمسائل

مفتقراً إليه في علمه بها ، فما استفاد علمه بها إلا منها ، كما يستفيد العبد العلم بالمحسوسات من إدراكه لها ، مع غنى تلك المدركات عن المدرك . والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه القديم الأزلي الذي هو من لوازم نفسه المقدسة لم يستفد علمه بها منها ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) فقد دلت هذه الآية على وجوب علمه بالأشياء من وجوه انتظمت البراهين المذكورة لأهل النظر والاستدلال القياسي العقلي من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم . أحدها أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير ، وذلك يتضمن تقديرها في العلم قبل كونها في الخارج . الثاني أن ذلك مستلزم للإرادة والمشيئة ، والإرادة مستلزمة لتصور المراد والشعور به ، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام . الثالث أنها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم بأصل الأمر وسببه يوجب العلم بالفرع المسبب . فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر عنه . الرابع أنه في نفسه لطيف يدرك الدقيق ، خبير يدرك الخفي ، وهذا هو مقتضى العلم بالأشياء ، فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام ، فهو في علمه بالأشياء مستغن بنفسه عنها كما هو غني بنفسه في جميع صفاته . ثم إذا رأى الأشياء بعد وجودها وسمع كلام عباده ونحو ذلك فإنما يدرك ما أبدع وما خلق وما هو مفتقر إليه ومحتاج من جميع وجوهه ، لم يحتج في علمه وإدراكه إلى غيره البتة . فلا يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس الأشياء الثابتة الغنية في ثبوتها عنه . وأما جحود قدرته فلأنه جعل الرب لا يقدر إلا على تجليه في تلك الأعيان الثابتة في العدم الغنية عنه ، فقدرته محدودة بها مقصورة عليها مع غناها وثبوت حقائقها بدونه . وهذا عنده هو السر الذي أعجز الله أن يقدر على غير ما خلق ، فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة ولا ينقص منه ذرة ، ولا يزيد في المطر قطرة