ابن تيمية

34

مجموعة الرسائل والمسائل

بالحيرة في ذلك . وأما هذا فإنه يقول : تجلى الأعيان المشهودة له ، فقد قالا في جميع الخلق ما يشبه قول ملكية ( 1 ) النصارى في المسيح ، حيث قالوا : بأن اللاهوت والناسوت صاراً جوهراً واحداً له اقنومان . وأما التلمساني فإنه لا يثبت بعد ذلك بحال فهو مثل يعاقبة النصارى ، وهم أكفرهم ، والنصارى قالوا بذلك في شخص واحد ، وقالوا أن اللاهوت به يتدرع الناسوت بعد أن لم يكن متدرعاً به . وهؤلاء قالوا أنه في جميع العالم ، وأنه لم يزل ، فقالوا بعموم ذلك ولزومه ، والنصارى قالوا بخصومه وحدوثه ، حتى قال قائلهم : النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا ، وهذا المعنى قد ذكره ابن عربي في غير موضع من الفصوص ، وذكر أن إنكار الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص ، وإلا فالعارف المكمل من عبده في كل مظهر وهو العابد والمعبود ، وإن عباد الأصنام لو تركوا عبادتهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها ، وأن موسى إنما أنكر على هارون لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل لضيق هارون وعلم موسى بأنهم ما عبدوا إلا الله ، وأن هارون إنما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله في كل صورة ، وأن أعظم مظهر فيه هو الهوى فما عبد أعظم من الهوى . لكن ابن عربي يثبت أعياناً ثابتة في العدم . وهذا ابن حمويه إنما أثبتها مشهودة في العلم فقط ، وهذا القول هو الصحيح لكن لا يتم له معه ما صلبه من الاتحاد ، ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق الاتحاد والقرب إلى الإسلام ، وإن كان أكثرهم تناقضاً وهذياناً ، فكثرة الهذيان خير من كثرة الكفر . ومقتضى كلامه هذا أنه جعل وجوده مشروطاً بوجود العالم ، وإن كان له وجود ما غير العالم ، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن كان قائماً بالحدقة ، فعلى هذا يكون الله مفتقراً إلى العالم محتاجاً إليه كاحتياج نور العين إلى الجفنين . وقد قال الله تعالى ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير

--> ( 1 ) طائفة من النصارى كاليعاقبة والنسطورية وغيرها