ابن تيمية
31
مجموعة الرسائل والمسائل
مصنوع مربوب ، والله خالق كل شيء ، فهو قد جعل ظهور الحق وصفاً ، وأنه المسمى باسم الرحمن ، فيكون المسمى باسم الرحمن الواصف لنفسه مخلوقاً ، وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد الذين ( قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ؟ ) ومن إلحاد الذين قيل فيهم ( وهم يكفرون بالرحمن ) فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين ، وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقاً من مخلوقاته . وأما أن كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة فإما أن تكون صفة لله أو لغيره ، فإن كان صفة لله لم يجز أن تكون هي المسمى باسم الرحمن ، فإن ذلك اسم لنفس الله لا لصفاته ، والسجود لله لا لصفاته ، والدعاء لله لا لصفاته ، وإن كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم . وهذا تقسيم لا محيص عنه ، فإن هذا الملحد في أسماء الله جعل هذه العقدة التي سماها ( عقدة حقيقة النبوة ) وجعلها صورة علم الحق بنفسه ، وجعلها مرآة لانعكاس الوجود المطلق ، محلاً لتميز صفاته القديمة ( 1 ) وأن الحق ظهر فيه بصورته وصفته واصفاً يصف نفسه ويحيط به ، وهو المسمى باسم الرحمن ، ثم ذكر أنه أعطى محمداً هذه العقدة ، ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم الله كما قال تعالى ( ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) فيكون هو سبحانه هذه العقدة التي أعطاها لمحمد ، وإن كانت صفة له أو غيره فتكون هي الرحمن ، فهذا الملحد دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق الله أو صفة من صفاته ، وبين أن يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد ، وكل من القسمين من أسمج الكفر وأشنعه . الوجه الخامس : أن قوله لهذه الحقيقة طرفان : طرف إلى الحق المواجه إليها الذي ظهر فيه الوجود الأعلى واصفاً ، وطرف إلى ظهور العالم منه وهو
--> ( 1 ) قوله محلا لتميز صفاته القديمة هو المفعول الثاني لجعل